تشكيل المفاهيم -انزياح اللغة ، مقالات متنوعة

تشكيل المفاهيم
انزياح اللغة
عندما يرغب أن يذهب الى التواليت يقول:أفّاط..
المسألة بسيطة..كانت أمه تقول له دعني اربط حفّاظتك ..ففهم ان الكلمة تدل على التغوّط..لأن الحفّاظة مرتبطة بمعنى التغوط دائما. فانزاحت الكلمة من الخروج الى الخلاء، أو التواليت، أو قضاء الحاجة..أو غير ذلك من التعبيرات المعبرة عن المعنى . واستقرت في ذهنه كلمة “الأفاّط” وشكلها؛ كفعل للتعبير عن حاجته الى الخروج الى التواليت..
وعند البعض انحازت كلمة “صيدلية” الى “صندليه” مثلا..وهناك العشرات من الحالات المشابهة..
وقد تستخدم تعبير التحضير أو الاستعداد للدلالة على الوضوء، وربما كل ما يتعلق به من خروج الى الخلاء وخلافه.
هذا حاصل في غالبه عند من يتحدث لغة مختلفة عن العربية ، ولنقل اللغة الكردية هنا.ولكن ما يمنع ان يحصل ذلك مع من يتحدث العربية من العرب أيضا..؟
إحداهن-وهي عربية- رغبت أن تتجنب لفظ كلمة التبول واستبدالها بكلمة أجمل وقعا ،وأقل إيحاء بمعنى التبول المباشر، فاستعاضت عنها –ولا ادري من أين استقتها- بكلمة “بشوشة” فكان الطفل يقول “بشوشة” للتعبير عن حاجته الى تبوّل..فكان وقع صوت “بشوشة”على السمع أرق.
إذا فكل لغة حية تمر بظروف ما يمكن أن نسميه الانزياح..أي انتقال مدلول كلمة أو معنى ..بالتعبير عن معنى متضمن في كلمة معينة، الى كلمة أخرى قد تكون قريبة من الكلمة الأصلية وقد تكون بعيدة أيضا بحسب ظروف الانحياز..
إن التمسك باللغة القديمة كما هي، أمر غير عملي لأكثر من سبب..
فالحياة تتغير..وتظهر أنواع جديدة من الأشياء، مختلفة،كما ان العلاقات تأخذ أشكالا مختلفة..ومستوى الحال النفسية –والتذوق الجمالي يتقدم عمّا كان.
فالتحضّر يغلب البداوة عموما؛ كنمط حياتي في مختلف جوانبها..
هل هذا يعني بالضرورة ان تسود لهجات على لغة تعتبر عامة..؟
لا بالطبع…
والدليل إن اللغة الإنكليزية كانت قديمة بكلمات ومعان أصبحت تسمى –الانكليزية القديمة- ولا تدرّس إلا للمختصين الذين يحتاجونها، خاصة المؤرخين، أو المهتمين بتاريخ العلوم والفلسفة والأدب.. ولم يؤثر على ذلك على تطور اجتماعي ولغوي مواز للأمة الانكليزية..بل إن أمريكا قد تبنت اللغة الانكليزية وأضافت إليها لكنتها، وربما بعض كلمات تميز طبيعة ثقافتها ..
لمَ –إذا-نظل دوما في خشية اندثار اللغة..ونظل نعالج الأمر بروح أيديولوجية –غالبا ما تستثمر سياسيا-..؟!
هذه الظاهرة مبالغ فيها في وسط معين عربيا..ناسين ان أكثر اللغات أمنا هي اللغة العربية مادام القرآن باق-وهو باق بوعد الهي:
“إنا نحن نزّلنا الذكر وإنا له حافظون”
……….. ببساطة الناس مختلفون
ببساطة الناس مختلفون، عرقيا، دينيا، طائفيا، مذهبيا وموطنا و…غير ذلك مما لا يحتاج إلى تخمين لمعرفته.
والشيء الوحيد الذي –ربما- يشتركون فيه جميعا، هو المصلحة..منذ الحلم بحياة هادئة، آمنة، مستقرة. ومرورا برفاهية تتنامى باستمرار؛ لتلبية احتياجات التطور الثقافي، والطموح بشكل عام، دائما..
لكن المشكلة هي، في طريقة التفكير، وصياغة الرؤية الثقافية – ضمنا الممارسة السياسية طبعا؛ باعتبار أن السياسة هي، نشاط اجتماعي خاص-لدى الناس- أو لدى بعضهم .
وتتفاقم المشكلة حول أسلوب التفكير تكوين مواقف وممارسات…؛ مع الذين يفكرون بطريقة سكونية؛ كناتج لبدائية الشعور، ومن ثم التفكير..
نجد هذا لدى المجتمعات التي ترتد إلى النمط القبلي في الحياة فكرا وسلوكا..
و التي لا تزال القيم القبلية فيها نشيطة ،والمجتمع العربي منها..
أو نتيجة اعتقاد جامد يكوّنه المعتقد الديني لدى البعض، والذي لا تكون أدوات الاعتقاد فيه مستندة إلى التفكير،وإنما مستندة للاستسلام النفسي؛ وهذه أيضا ظاهرة قبلية في بعض جوانبها..!
وعلى العموم، فإن المجتمعات التي تعاني من الكسل في التفكير – مهما كانت الأسباب –يسود فيها مناخ ؛يوفر نمطا سكونيا في التفكير، ولا يتيح النقد أسلوب بحث عن المعرفة والحقائق..؛ بل ويحارب النقد، ويرى فيه تجاوزا على الشخصية في قيمها، أو مكانتها، أو مصالحها ..الخ.
هنا نتساءل..
لماذا بعض الناس –أصحاب المصالح ،غالبا، غير المشروعة- يتناسون-أو ينسون- أن للغير مصالح أيضا :معنوية كانت أم مادية..؟.
هل نقص في الوعي مثلا..؟
هل هو سوء في الإدراك؟
هل هو اختلاف في الاجتهاد ومن ثم الفهم..؟
أم أنه سوء تفكير وسلوك عن سابق نية وتصميم..؟!
ربما كان الاحتمال الأخير مرجحا في معظم حالات المصالح السياسية والاقتصادية..وبعضها الاجتماعية أيضا…!
فإذا تأكدنا أن الاقتصاد والسياسة كمصالح متفاعلتان-او ذات علاقة جدلية بتعبير ماركس..علمنا لماذا كل المشكلات التي تنجم في الحياة –سواء داخل الوطن الواحد أم بين الأوطان-او الأصح بين الدول والحكومات..
وإذا تأكدنا أن الدول المتخلفة يحكمها دوما أنظمة مستبدة ،لم تصل الى السلطة عن طريق صناديق الانتخابات وصوت المواطن..علمنا لم هذه الأنظمة لا تعير بالا للمواطن وصراخه ومطاليبه..بل تراه مجرد عبد في املاكه..
بساطة أم خباثة
بمتابعة بعض الخطوات في أنشطة البشر –خاصة السياسية منها –أو لنقل ذات الطبيعة السلطوية أيضا.. نلاحظ فيها سلوكيات أحيانا تبدو بدائية أو طفولية..وأحيانا تبدو عظيمة ومغامرة بل وخطرة..!
هل هذا من طبيعة السياسة..؟
هل إن الإنسان كلما زادت سطوته ازداد ارتداده الى ذهنية وسيكولوجية الطفولة ؟
لكن ليس أي طفولة، بل طفولة مشوهة..
في حكمة القدماء : عقل الملك عقل الطفل..فكلما عنّ في البال..فكرة لم يتردد في تنفيذها ..لأنه لا يحسب حسابا للشعب..فهو الملك، والشعب من اجل الملك.”الملك هو الملك”
وها هي الحكاية تتكرر من جديد..
فقط اختلفت التسمية الى : زعيم..او رئيس..أو أمين عام..أو سكرتير..أو قيادي..الخ.
ابتكر الإنسان –أو اكتشف-فكرة النهج الديمقراطي في التعامل مع السياسة –بل الحياة الاجتماعية – كل بحسب ما يلائمه..لكي يرتقي الناس الى وعي أكمل وأسمى..
في ظل سلوك المشورة ..او تبادل الرأي عن استحقاق يرجح الأغلبية وفقا لقاعدة..لا يخطئ الأكثرية..او ما عبر عنه الرسول (ص) في قوله: “لا تجتمع أمتي على ضلالة”. وهنا يستشف ان الكثرة عندما تتناول أمرا ما بالمناقشة فلا يحتمل وقوعهم في الخطأ..فضلا عن ان هذه الكثرة التي تسمى غالبية –سياسيا- تقيّد الرأس -ملكا كان اسمه أم رئيسا-
ففي ثقافة ذات طبيعة قبلية الجذور،ولا تستطيع انفكاكا عنها الأمر سيان ..
لنأخذ الثقافة العربية-أو العروبية في الأصح- ما هو الفرق بين الملوك والرؤساء في أسلوب إدارة البلاد سوى الشكل..؟!
ربما كان الملك يلبس لباسا قبليا والرئيس يلبس لباسا إفرنجيا..ولكن الأمر سيان في أسلوب النظرة الى الشعب..فالشعب هو الفداء ل”الملك المفدى” وللرئيس هو الفداء “بالدم والروح نفديك يا رئيس” ولكليهما مصفق أبدا..
هذه الثقافة أصبحت ثقافة المجتمع الطبيعية، وكأنها هي الثقافة الوحيدة –أو الأفضل –للشعوب..

….

تيه الإنسان
“الدوران حول الذات”
محمد قاسم ابن الجزيرة
m.qibnjezire@hotmail.com

لقرون كثيرة كان الاعتقاد السائد ان الأرض منبسطة، وتمتد في الاتجاهات الأربعة إلى ما لا نهاية.
ولكن الإنسان ما لبث أن اكتشف بأن الأرض كروية ، بعد رحلة ماجلان.وتأكد ذلك من نتائج الأقمار الصناعية.. والدراسات التلسكوبية التي قربت البعيد ، وأظهرت الكثير مما كان خافيا.
وكنتيجة: تغيرت مفاهيم كثيرة في سياق المعرفة البشرية، والعلوم المختلفة، خاصة ما يتعلق بالجغرافيا الطبيعية وكل ما يتعلق بها.. باكتشاف حقائق جديدة،باستمرار.!
كما حصلت اكتشافات على مستوى العلوم المختلفة الأخرى، كالفيزياء والكيمياء وعلوم الميكانيكا والرياضيات والفلك..و..الخ.
وقد أدى ذلك إلى ما نراه اليوم من التطور التقني المذهل، والذي لم يعد الإنسان يستطيع أن يلاحقه ويستوعبه، إضافة الى البحث في الماورائيات التي تشكل ميدانا لدراسات منطقية استنتاجيه لا تخضع للتجريب؛ بدأت قديما ولا تزال مستمرة.
مع معرفة كل هذا، لا زال الغموض يكتنف الكثير من أسرار الإنسان –كإنسان- في حياته: وجودا، كينونة، وصيرورة، ومآلا..!
ولعل هذا ما أدى بالطبيب الباحث المعروف (ألكسي كاريل) ان يعنون نتائج أبحاثه التي عرضها في كتاب، اسماه”الإنسان ذلك المجهول”.
فعلى مستوى معرفة أمراض الإنسان وأدويتها-على الرغم من كل التقدم الحاصل- لا زلنا في منتصف الطريق ربما –او اقل-.
وعلى مستوى فهم حقيقة الروح، وآليات التفكير، ودورها في السلوك، والعلاقة بين القوى النفسية المختلفة، الفاعلة منها ايجابيا، والفاعلة سلبيا –أو القابلة للفعل السلبي- لا زلنا نردد مع الشاعر الإنكليزي بيرون قوله على لسان قابيل عندما قتل أخاه هابيل:
أخي ما دهاك وكنت صباحا= قوي الفؤاد قوي البدن
على العشب ملقى فماذا عراك= أنوم ؟ وما الوقت وقت الوسن..
سكنت وامسك منك اللسان =وهل مات حي إذا ما سكن؟
فهو – هنا- لا يعرف الموت شكلا ونتيجة.
ولا زلنا نردد معه أيضا:
وهيهات لا نفنى جميعا وإنما= لديك من الأسرار باق مخلد
والحالتان حيرة وشعور بنوع من العجز.
وربما بعض هذا ما كان يعنيه القول المنسوب إلى الإمام علي بن أبي طالب:
وتحسب انك جرم صغير = وفيك انطوى العالم الأكبر
لذا فكل ما في حياة البشر من الخفايا لا يزال سرا او نصف سر.. منها فهم الآلية المثلى في عيش حياة اجتماعية والتي لا تزال مجرد مستويات،تختلف من شعب لآخر ومنها مثلا:
كيفية الإدارة، وأنواع النظم الصالحة، وأسباب الانزياحات السياسية والاجتماعية والأخلاقية..التي لا تنضبط لما يحقق الأمن والأمان والشعور بالطمأنينة.
فالخلاف-ان لم نقل الصراع- قائم بحدة بين الأيديولوجيات، والنظريات، والمفاهيم المختلفة ، حتى تلك التي يُظن أنها أصبحت مفهومة، كالديمقراطيةـ ومعنى السياسة وحدودها، ومنظومتها العلمية. وهي ما يسمى في علم السياسة بالرموز-تبدو كأنها واضحة وعند البحث فيها نجد ما فيها من الغموض أكثر-وهذا مربك للفهم- ومن ثم السلوك بناء على فهم ناقص. .
ولا زالت المبادئ والقيم والمفروضات والوقائع والأحداث…حالات ومظاهر موضع اختلافات شديدة، تصل إلى درجة ممارسة العنف اللفظي والعنف المادي… والإعلام والحروب اكبر شاهد.
باختصار…الحياة لا تزال تحمل أسرارا كثيرة…لم يكتشفها البشر بعد..او اكتشفها ولم يتمثلها تطبيقيا في التفكير والسلوك-الأداء عموما-.
لذا فإن السُّفسطائيين-كفريق باحث وفلاسفة- لم يكونوا يمزحون او يدجّلون… بل كانوا يعبرون عن رؤية فلسفية –بغض النظر عن توافقنا معها أم لا-. ولقد استمرت هذه الرؤية في سياق الحياة الاجتماعية مذ ذاك ولا تزال.بل اتخذت مظاهر مختلفة عن الأصل.
وفي المقابل فإن الإنسان قد تطور كثيرا قياسا إلى ما كان..في مختلف الميادين المادية والمعنوية (وربما هذا ما يقوّض -نسبيا – نظرية السُّفسطائيين، عندما أنكروا وجود حقائق ثابتة يمكن فهمها..أو تنفيذها في حالة الفهم..)
فالكشف عن أسرار كثيرة كان نتيجة للإيمان بمبادئ ثابتة- كحقائق- والانطلاق منها في الخطوات اللاحقة.وهذا أدى إلى الانتقال من المعرفة النظرية وفقا للمنطق الصوري-ألاستنتاجي- فحسب؛ إلى معرفة تؤكد التجارب حقيقتها.
فكانت العلوم الطبيعية التي تتالت اكتشافا وتطورا …
إضافة إلى تطورات في العلوم الإنسانية التي تناولت “الإنسان” موضوعا لبحثها ، في قضاياه الخاصة المتعلقة بذاته العاقلة والاجتماعية.
لكنها لم تبلغ –كما يبدو- مرحلة تبث الطمأنينة في حياة البشر عبر سلم اجتماعي شامل، ووعي للمشتركات التي لا ينبغي التقصير في التعامل معها او خرقها، وعبر إيمان بالحقائق التي انتهى إليها إيمانا راسخا يجنب الازدواجية في الفهم والتعبير واتخاذ المواقف ومن ثم السلوك.والتعامل بمرونة مع المشكلات والإشكالات…!
باختصار :تحقيق الانسجام بين القوى المختلفة في الإنسان ليعيش حياة سعيدة مفترضة..

………………

بين الذاتية ( الذكاء والأنانية… )
في العمل السياسي
والمفترض في إدارة الحياة السياسية.
الجمعة 9 مارس 2012
محمد قاسم ” ابن الجزيرة ”
m.qibnjezire@hotmail.com

غالبا ما يعتمد الساسة عموما وفي منطقة الشرق الأوسط على ما يظنونه ذكاءهم في مخططاتهم السياسية خاصة في تعاملاتهم مع بعضهم بعضا مما يسقط أو يجعل الظروف الموضوعية والحقائق التاريخية في دائرة التجاهل أو التلاعب في حال الاعتبار لها..وهذا يجعل دور هؤلاء الساسة هو المؤثر في الأحداث والظروف عموما- بغض النظر عن معقولية ومصداقية هذا الدور في سياق المفترض من مسار عمارة الحياة الكونية عموما،وعمارة البلدان التي يخضع لحكمهم ويبدو أن تقدم الوعي في اتجاهاته المختلفة بناء على انتشار المعرفة إلي تشكل أساس الوعي وتناميه، بعد اختراع الطباعة وانتشار الكتب بدورها التوعوي –ومن ثم أمريكا- قد دفع الشعوب فيها إلى انتهاج سياسة “ديمقراطية” داخليا على الأقل. مما فرض على الساسة فيها تغيير مسار الفاعلية الذكائية لديهم في اتجاه استقطاب التأييد الشعبي لهم في الانتخابات –كشرط للفوز- وتطلب 1ذلك –دوما- العمل على ما يقنع الشعوب من أنتاج وأعمال ومواقف…-بالدرجة الأولى- وهذا ساهم في التقليل من الدور الذاتي لهؤلاء الساسة على الأحداث والظروف لصالح دور يراعي مصالح الشعوب – اضطرارا كان أم اختيارا ..وكان الناتج ما نراه اليوم من تطوير في مختلف الميادين وعلى رأسها قوانين ناظمة للحياة وموفرة للكثيرين من الاستقرار والخبرة في استمرارها وحمايتها…
هذا ما عجز عنه ساسة الشعوب المتخلفة عموما في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية نع فارق بين منطقة وأخرى ودولة وأخرى…واخص الشعوب في الشرق الأوسط وعلى رأسها الشعوب العربية…فإن طبيعة النظم الحاكمة فيها غما “ملكية” وغما “جملكية” وهي جميعا متفردة وذات خصائص استبدادية قد تختلف قليلا أو كثيرا من دولة لأخرى …ولكن السمة العامة لها واحدة هي التفرد وتجاهل دور الشعوب ..والتعامل معه كرعايا حتى في تلك الفترة التي تشدقت بالاشتراكية والعدالة الاجتماعية ومختلف المفاهيم التي لا دلالة تطبيقية لها في الواقع. وإنما هي كلمات فقط لتضليل الرأي العام المحلي والخارجي…وإذا كان الرأي العام الخارجي…يعينه مصالحه بالدرجة الأولى فغن الرأي العام الداخلي هو الذي يعيش ضحية لها..ويعيش الوطن كله ضحية لها.
ربما معطيات من الواقع تفرض كياسة في التعامل معها من الساسة الذين يتعاملون دوما مع الواقع بما فيه من معطيات مختلفة –متغيرة- وأحيانا تفرض ردود أفعال محددة ..لكن درء الأضرار بما تتطلب من خطط لا ينبغي أن يتجاوزها إلى إتباعه نهجا دائما يغلّب الذاتية “الذكائية المظنونة” على ما يفترض من متطلبات عمارة الحياة والكون بحسب درجة المسؤولية عنها…من باب أولى متطلبات عمارة الأوطان والشعوب التي يديرونها….
إذا…القضية هنا هي قضية “قيم ومبادئ ومفاهيم ومواقف وسلوكيات…” يفترض إنها منظومة تختصر الاتجاه الإيجابي في الحياة،وما يخالفها أو بعبارة أخرى:
قضية صراع بين النوازع الأنانية في ذات الساسة والافتراضات الأساسية للغدارة الحياة السياسية في وجهها الايجابي المفترض وجوديا وأدائيا.

………….
بين العرب والغرب
فيما كنت أتابع أحد الزعماء العرب وهو يزور بعض البلدان الأوروبية يصافح زعما ((قد ولاده)) كما يقال…
وتصاعد إلى نفسي فكرة ..
ماذا يخالج الزعماء العرب –والعالم الثالث- من شعور وهم يزورون البلاد الأوروبية..وهم في كل مرة يزورون فيها أوروبا يكون الزعيم قد تغير فيها بينما يبقى الزعيم العربي هو هو إلى أن يموت – ولم يعد هناك انقلاب –كما قال عريب الرنتاوي-فقد استحكمت المخابرات والعسكر كل مفاصل الدولة والشعب ..منذ بداية الثوروية التي جلبتهم إلى الحكم في حين الملوك والأمراء قد اختصهم الله بدماء زرقاء تجري في عروقهم ..وهكذا فالدولة الجملكية هي خاصة عروبية بامتياز.
وعادت بي الذاكرة إلى قول رئيس الوزراء البريطاني..طوني بلير في مقابلة معه،عندما سأله المحاور: أليس باكرا ترك الحكم؟ قال:أحد عشر سنة ليست قليلة..!
يا سبحان الله..أحدى عشرة سنة ليست بالقليل لزعيم يقود أعرق دولة في العالم عمرا ونظاما ديمقراطيا وقيادة للعالم في مرحلة ما ..وغنى وصناعة ..وكلها مواصفات مغرية للبقاء في الحكم..
ولكن أرعين عاما أو أكثر أو أقل –بحسب عمر الزعيم- في البلاد العربية ليست كثيرة..
هل هي ذهنية..!
هل هي نفسية..؟
هل هي عقلية..؟
لست ادري –ربما- فالدراية أصبحت في العالم العربي والعالم الثالث نقيصة..
أصبحت الثقافة عبئا. وموضع تندر من العقلية الحزبية وهدفا للسلطات ومتهما من الاثنين..ومطعونا في وطنه وبين ظهراني مجتمعه..
والسؤال: كيف يتقدم مجتمع يحارب مثقفيه،ومبدعيه..؟!
منذا الذي ينتج الأفكار،وينتج الإبداعات على الصعد المختلفة الصناعية والفكرية والفنية..الخ
وحاولت ان أقارن بين المجتمع الشرقي والمجتمع الغربي والحراك في كل منهما..
فوجدت المجتمع الشرقي –العربي-مجتمعا راكدا تغلب في حياته العطالة إما تحييدا له من السلطة،أو خوفا من السلطات أو فقرا بسبب تجويع السلطات له…وفي كل الأحوال..تحكم في حراك الشعب من السلطات وإدارة له بالريموت كنترول..
ووجدت اعتدادا بالنفس في المجتمع الغربي وشعورا بانعدام الشخصية في المجتمع العربي..مما يدفعها نحو احد أمرين.إما تزلفا وتملقا ونفاقا مع السلطة لتحقيق مكاسب ومصالح يومية ..وإما تحييدا وانعزالا ينزوي على النفس عاطلا ومعطلا لا فعالية لديه في شيء بل يتحول إلى ما يشبه الحيوان :أكل ونوم واكتظاظ المقاهي والمواقع المشبوهة أخلاقيا أو ربما يتحول إلى زهد كأبي العتاهية يغني :
رغيف خبز يابس تأكله في زاوية =و كوز ما بارد تشربه من صافية.
…………………………………………………………………………………………………………

من طبيعة الأمور أننا نستحضر التاريخ عبر وقائع عسكرية أو تفاعلات اجتماعية بأبعادها المختلفة: العسكرية الدينية أو الاجتماعية أو الأخلاقية أو السياسية أو الاقتصادية أو الفولكلورية..الخ لكي نعتبر بها أو منها ومن نتائجها السلبية أو الايجابية..
المشكلة أن هذا الهدف يكاد يغيب ضمن الصخب الإعلامي الذي يطغى على أسلوب التنافس –غير البريء-في استحضار الماضي..وخاصة استحضار حياة العظماء في حياة وتاريخ الشعوب سواء شعوبنا التي ننتمي إليها،أو شعوب العالم المختلفة وتجاربها الغنية والمختلفة ..وهذا ما يحدث –غالبا –عندما تتبنى جهات سياسية (نظام –حزب…)فعل ذلك..
من هنا فإن الاهتمام بمثل هذه الأمور في الإطار الثقافي وبأدوات ثقافية سيكون المناخ الأفضل ..لذلك،لما في طبيعة الثقافة من الحرص على الحيادية والموضوعية وتوخي الدقة والمصداقية في تناول الماضي-والحاضر والمستقبل أيضا- وتحليل أبعاده لأخذ العبرة بخلاف الحالة السياسية التي تسخر كل شيء ومنها.استحضار الماضي وعبره ليوظفها لغايات سياسية ..وهذه واحدة من المشكلات التي تبقي التوتر والتخاصم والصراع في الحياة بين المجتمعات المختلفة..إضافة-طبعا-إلى المصلحة المحركة لهذه النزعات السياسية..وعلى الرغم من أنها كثيرا ما تكون مصلحة وطنية أو قومية أو إنسانية حتى..إلا أن غلبة الميول الخاصة تؤثر على اتجاهات العمل الوطني والقومي والإنساني غالبا.. وهذه هي المشكلة المزمنة في هذه القضايا والتي تسبب أغلب المشكلات التي تطالعنا بين الشعوب والأمم ومنها مثلا الحروب المختلفة وتحت أسماء مختلفة وعناوين مختلفة وأهداف مختلفة …!
من هذه المناسبات والوقائع في حياة الشعب الكردي مثلا مناسبة :تأسيس أو ل حزب كردي في سوريا،ومنها الاحتفال بمناسبة وفاة المرحوم الخالد مصطفى البار زاني،ومنها الاحتفال بعيد النيروز الكردي في 21/3/ من كل عام.
إذ تتحول هذه المناسبات إلى نوع من تجاذب المناسبة بدوافع حزبية خاصة ولمصلحة حزبية خاصة لا تصب –غالبا-في مجرى المصلحة العامة للشعب الكردي..بل قد تتحول إلى مناسبة تتجدد فيها الاختلافات بين الكتل والأحزاب والفروع السياسية..وينعكس ذلك سلبا على حياة الشعب والجماهير أيضا.
كنا نأمل أن تكون المناسبات المهمة في حياة الشعب الكردي محطات يلتف حولها أبناء الشعب الكردي ويتخذوها منطلقا لتطوير العلاقات الكردية والاتجاهات الفكرية الكردية على كل صعيد،وعلى صعيد السياسة خاصة.
ما يحدث في الواقع لا يرتقي إلى هذا المستوى –للأسف- وهذا ما يقلق المهتمين واليقظين إلى أهمية هذه الأحداث التي يجب أن تستثمر للتقارب الكردي ولتوحيد الوجدان القومي الكردي بدلا من بعض المظاهر التي لا تغني ولا تسمن من جوع،بل ربما تكون من أسباب تعميق الاختلافات وتشتيت النزوع الوجداني والعاطفي نحو مفاهيم الشرذمة.
ولعل الغيورين على حياة الشعوب والمجتمعات بل الإنسانية في كل أصقاع الأرض يتنبهون إلى هذه الحقيقة فيلتفتوا نحوها يتعاملون معها بطريقة منطقية ومبدعة تستند إلى المعطيات الواقعية أيضا..
لعل هؤلاء يساهمون بوسائلهم الخاصة –والعامة-فالخصوصية هي في طبيعتها الأصلية متعانقة مع العمومية .وبتعبير بعض المسلسلات الكارتونية “الكل في واحد والواحد في الكل”. أو بحسب موضوع علم النفس العام..الخصائص النفسية المشتركة بين الجميع(ذاكرة –فكر- عاطفة في عموميتها-..)ولكن الخصوصية في استخداماتها .
…………………………………………………………………………………………………………………
بشكل عام

في الحكم عادة تتبع طريقة تسمى الديمقراطية- أي الاختيار الحر للمثلين- وفي هذه الحالة فالأغلبية هي التي تحكم..ولكن تحفظ للأقلية حق التحفظ،وحق النضال من اجل دفع مفاهيمها إلى الأمام عن طريق التفاعل مع المجتمع، والقدرة على الإقناع بوجهة النظر التي تتبعها- أو الاتجاه ..الذي تتبناه- بمعنى أن العلاقات حيوية في هذه الحالة ومتغيرة –طال أم قصر- لأنها مرهونة بالفعالية التي تقوم بها القوى التي تحكم اليوم أو غدا أو بعد غد..فهذا التداول يبرر-ربما- القبول بحكم الأغلبية سياسيا ضمن دساتير وقوانين منظمة..تراكميا..عبر عقود أو قرون حتى…وبذلك فإن مناخ الحرية في ممارسة دور الفرد-خاصة- في هذا المجال يجعل من معنى الأكثرية والأكثرية وأولوية القرار أمرا ممكنا ومعقولا..
ولكن ماذا بشأن الأفكار..؟
الفكرة –بطبيعتها –تبدأ صغيرة ثم تنتهي –ربما –كبيرة- وعظيمة..فإذا أهملنا الفكرة لأنها صادرة عن فرد-وهو قليل- أو عن جماعة-وهي قليلة –فهذا يعني أنا سنلغي الكثير من الإبداعات التي غيرت ولا تزال تغير وجه العالم..باستمرار.
وإذا حاولنا معالجة قضية اجتماعية ذات اثر مهم وربما خطير على حياة المجتمع.
ولنأخذ مثلا العلاقة الزوجية-وهي الفكرة التي اوحت إلي بهذه الكتابة حيث في برنامج قريب جدا الذي يديره-……جوزيف عيساوي..واستضاف طبيبة نفسية من السعودية تتحدث من بيروت..وطبيبة عيون سورية..وكاتب وسيناريست لبناني-علي مطر…
وكان الحوار حول التجربة الزوجية كيف ينبغي ان تكون فكان طرح مساكنة الفتاة والفتى في ما يشبه ما يحدث في الغرب قد تكون من ضرورات التجربة التي ينبغي ان يمر بها كلاهما –بما فيها العلاقة الجنسية خارج المؤسسة الشرعية..وكانت الطبيبة السورية تمثل هذا الرأي بينما السعودية-وهي طبيبة نفسية- والكاتب علي مطر يختلفان معها وهكذا بدا الحوار واستمر وجوزيف عيساوي يميل الى السورية في اتجاهها بشكل او بآخر..
كل هذا لا يهمني.
فكل من المتحاورين يعتبر مسؤولا-مسؤولة- عن المواقف المتبناة من كل منهم –منهن..
ما يهمني هنا هو فكرة ..
حالات قليلة..-استثناءات.. نحن نقصد بشكل عام..في غياب الدراسات الإحصائية الموثوقة والعلمية وليست الدراسات المشيرة –وقد يكون للمؤسسة نفسها دور قاصد في إبراز هذا الاتجاه او ذاك لغاية في نفس يعقوب- فالإحصائيات من الناحية العملية غير ممكنة،وإنما هي استبيانات تشمل نماذج عشوائية –أذا حاولت المؤسسة أن تنوعها فعلا..ولا تتقص دان يغلب اتجاه محدد في الاستبيان بقصد معين.
على صعيد البشر وقيمهم لا يمكن إهمال قيمة لن الذين يتبعونها قلة..بل يمكن ان نفعل في ذلك قضايا الحكم..وهذه الحالة في الحكم ليست مثالية،ولكنها الطريقة الأكثر قبولا لنتائج عملية فيها حتى الآن..ولو عدنا إلى فقهاء السياسة وعلمائها لوجدنا إنهم يسجلون ملاحظات كبيرة على الديمقراطية ويتألمون لنهم لم يبتكروا –بعد-ما هو أفضل للتخلص من التأثير الاستبدادي في الحكم. فهي –اذا –مرحلة-والاستشهاد بها ينبغي أن يراعي ذلك..والتمثيل بها للقيم خاطئ..ومغالطة أكيدة لمن لا له غايات ما او متأثر بحالة تربوية استمرأها..
فكما يقول البوطي في موضوع كهذا..
الأوروبيون –من الناحية النظرية-منطقيون،ويسهل إقناعهم بما هو خطأ أو صح منطقيا..ولكن المشكلة في نمط التربية التي ربوا بها فان الاعتياد يقلل من شان القبول المنطقي بالأمور..لأنهم لا يحسنون ترك المحظور مثلا..لنأخذ شرب الخمر..لنأخذ العلاقات الجنسية التي اعتادها منذ الشباب ان لم يكن منذ الطفولة المتأخرة..ولو تسلية أو تقليدا..الخ.
…………………

بين الأرستقراطية والشعبوية لا بد من وجود حالة مختلفة
محمد قاسم
كنت أتابع مسلسلا –يبدو كوريا- محتواه مجموعة قيم اجتماعية وإنسانية ..فأثارت أفكاره في نفسي سؤالا :
ترى هل من الضروري أن تكون حال المجتمع ،ثنائية على طرفي نقيض ؟!
مثلا:هل من الضروري أن يكون في المجتمع حالة ارستقراطية تقابلها-تضادا- حالة شعبوية..؟
أم هل من الضروري أن تكون حالة المجتمع إما رأسمالية وإما كادحة..؟! وهكذا…
هل من الضروري أن يكون-دائما- ثمة حالتان متناقضتان، ولكل منهما نظامها الاجتماعي الذي يجعلهما –وكأنهما في تضاد وصراع لا بد منه..؟!-
طبعا ليست الفكرة جديدة..ولكنها متجددة –دوما- في أنماط الحياة الإنسانية، بأبعادها الاجتماعية المختلفة، وأبعادها الإنسانية المختلفة ..وإن كان مصطلحا “الاجتماعية” و”الإنسانية” لا ينفصلان عن بعضهما؛ واقعيا-..!
وهنا، لعله من المفيد، التنويه إلى أن اللغة – بما يرافقها من بعض تداخلات المعاني، وعدم الوضوح في تعبير الكلمة عن المعنى لدى الجميع بفهم مشترك- ..هذه الحالة اللغوية، من العوامل المساهمة في الإشكالية التعبيرية-إذا جاز التعبير-،ومن ثم في إشكالية الفهم-أو وضوح التواصل-. لذا ربما سبق الغرب –أوروبا-شعوب الشرق لأنه توصل إلى تحديدات موضحة لأطر المعاني(الكلمة-المفهوم-) لعل غاليليو هو الأكثر مساهمة في ذلك، بفصله بين الكم والنوع،وان كان ألكسيس كاريل،يحمله مسؤولية تطور العلم على حساب الحياة الاجتماعية ببعدها الأخلاقي والإنساني بشكل عام.
لقد ظهرت على وجه الأرض، عشرات النظريات، والاتجاهات،والمحاولات –وعلى كل صعيد-ولكنها جميعا لم تحقق ما يصبو الإنسان إليه؛ من حل، أو معالجة لما تفرزه الاختلافات الاجتماعية من مشكلات إنسانية مؤلمة؛ تجليها الحروب، والصراعات، والفوضى، والروح الشريرة في النفوس؛ وهي حالة في تراكم مستمر-وللأسف.
هذه الثنائية المتقابلة في الذهن البشري؛ لم تحسم العلاقة بينها بشكل يخدم التطور الاجتماعي والإنساني ، على الرغم من التطور الاقتصادي والتقني، خاصة في العالم الرقمي –إذا جاز التعبير-
وعلى الرغم من الكميات الهائلة من ورق الكتب التي احتوت دراسات اجتماعية ونفسية واقتصادية و…الخ. إلا أنها لم تتمخض عن نمط أو صيغة أو أسلوب…يوفق بين الاختلافات البشرية اجتماعيا وتعاملا وقيمة إنسانية..كما ينبغي.!
ما السر يا ترى؟
كما يبدو لي، فإن التكوين البشري بطبيعته يتضمن الإشكالية في ذاته –مهما كان التفسير في طبيعة الوجود والتكوين البشري..سواء أكان نتيجة وجود خالق –الله-أو نتيجة تطور طبيعي في الخلية كما يزعم دارون وغيره..!!.
المهم إن الإشكالية موجودة ..فالإنسان كائن عاقل وناطق، ولكنه ليس ناطقا بلغة واحدة..بل تتعدد اللغات،وعددها كبير، وهو ليس عائشا في وسط محدود،بل البيئات التي يعيش فيها مختلفة.. في مناخها،تضاريسها، ومن ثم طبيعة الأعمال الممارس فيها،وقبل ذلك كله مستوى التعلم والتثقيف، والمستوى الفلسفي للوعي…
فمن الطبيعي-إذا- أن توجد هذه الإشكالية..ولكن السؤال..!
هل هي إشكالية، تمتنع أو تستعصي على الحل..؟!
بتقديري..لا.. ولكن الحل يحتاج إلى زمن،والى جهود،والى مصداقية العمل والجهود..
لأن الحياة بتكوينها –كما فهمت- ليست مجرد حياة نعيشها اضطرارا، ونغادرها اضطرارا، فنحاول أن نعب من ملذاتها قدر ما نستطيع عليها-كما يفعل البعض..،أو نزهد في ملذاتها بقدر ما نستطيع،كما يفعل الزهاد والمتصوفون عموما-
إن هذين الاتجاهين في الحياة هما –برأيي-متطرفان،ولا يبنى على واقعية طبيعة الحياة..وإذا شئنا أن ننجح في أي هدف، ينبغي أن تكون الوسائل والأهداف منسجمة أو متوافقة ..
بمعنى آخر..:ينبغي أن تكون الأهداف في متناول القدرة على تحقيقها واقعيا،وأن تكون الوسائل مناسبة لتحقيقها..وهذه أمور تتطلب الجهود، وتتطلب الوعي، وتتطلب المصداقية، وتتطلب العزم-الإرادة-وتتطلب وعي الظروف المحيطة والعلاقة بينها وبين الهدف المطلوب تحقيقه …الخ.
صحيح، أحيانا يلعب الحدس دورا مميزا في هذا الأمر..ولكن نتساءل كم شخصا يمكن أن يرشدهم الحدس..؟! كم من الناس يسعفهم الحدس في مثل هذه الأمور؟ إن الحدس- قوة المعرفة المباشرة- خاصة بشرية متميزة قد لا تتوفر دائما عند كل شخص..فلا بد إذا من الأسلوب التحليلي للتفكير ،واعتماد المعايير المنطقية،ووعي استخدام مراحل التجربة الثلاثة في المعرفة-الملاحظة والفرضية والتجربة- للوصول إلى النتائج العلمية المعتمدة(القوانين) كما أقرها كلود برنار..وفرانسيس بيكون في القرن السادس عشر..كمنهج للعلم.
لماذا هذا المقال؟
بملاحظة ما يجري في العالم..وفي بلادنا بخاصة ..وعبر التاريخ..نجد أن الإنسان لم يصل بعد إلى ما يريحهم، ويبث السلم والاطمئنان في ربوعهم..ونجد محاولات كثيرة- تبدو وكأنها ستحل المشكلة، ولكنها تتحول –غالبا-إلى مشكلة تحتاج هي أيضا إلى الحل.
لنأخذ مثلا ..
الثورات الاشتراكية التي وعدت الناس بالفردوس المنشود ،حيث السلم.. والتقدم الطبيعي.. والمعيشة المتطورة في اتجاه الرفاهية باستمرار..!
ولكن هذه الثورات،تحولت إلى أنظمة قمع، واستخبارات، وتعذيب، وزرع حالة التوجس من المواطنين، وخشية قيامهم بالثورة عليهم؛ بعد أن استمرأوا كراسي الحكم. وهم أنفسهم الذين تعهدوا الثقافة الشعبوية، وجعلوها المصدر الأساس في إدارة شؤون البلاد باعتبارها من متضمنات ثقافتهم في الحكم،فعادت مصدر خوف لهم من ثورات تزيحهم عن مواقعهم ..لقد نمت الاستبدادية –كخاصة لهذه الثورات- إلى درجة مخيفة من تجاوز القوانين والدساتير ..وتماهت هذه السلطات الثورية مع الحكم بدرجة لم يعد ممكنا لها –نفسيا خاصة-أن تتصور احتمال ترك الموقع..لكونهم قمعوا الشعوب وقلموا أظافرهم،وحاصروا معاشهم وحريتهم وتفكيرهم…وكما يقال شعبيا،ثبتوا مواقعهم في الفلك..فأصبح كل ما يفعلونه مكرمة يقدمونها لشعوبهم وعلى هذه الشعوب أن ترقص لهم كلما قصوا حرير مشروع متواضع..وكلما حلت مناسبات ثوراتهم،وولادتهم،ويوم ذكرى وفاة أسلافهم،ويوم ولادة أبنائهم،ويم زواج أحدهم او زواج احد أولادهم أو بناتهم من أعلى هرم الحكم إلى أدنى مرتبة الإدارة وخاصة الرموز الأمنية….ومن المضحك-مثلا –أن الشريط الإخباري للفضائيات تحمل اليوم الخبر التالي :
“راؤول كاسترو يسمح للمواطنين بشراء الموبايل” يا لعظمة الإنجاز..!
راؤول كاسترو هذا يمارس سلوك الآلهة –أو أكثر –كما كان يفعل سلفه أخوه فيدل كاسترو الذي كان ثمن غليونه من السيكار يكفي لمعيشة عدد من الأسر الفقيرة والجائعة..
هذه الشعبوية في الثقافة هبطت بمستوى الذهنية البشرية من الاتجاه إلى القيم العليا الأخلاقية
وصرامة الالتزام بالمبادئ ..الجدية في السلوك …الخ.
ونجد هذا واضحا في معظم الأنظمة التي تبنت الثقافة الشعبوية تحت مسميات براقة ولكنها غير متوافقة مع مجريات الأمور أو التنفيذ..-كالاشتراكية والتقدمية ومنظومة كبيرة من الشعارات ذات المضمون المفيد-نظريا-ولكنها تبقى لوحات معلقة في الجدران وعلى مداخل المدن ودوائر والوزارات وحيطان الأبنية الرسمية بحيث لا ترك موطئ قدم لعبارات أخرى او لرسم ذكرى من تاريخ الشعوب،أو عبارة حكيمة ينتفع الناس بها..ولكنها –كما فعل صدام والمنهج البعثي عموما ،والمذاهب المتكئة على النهج الماركسي-للأسف–فالتلفاز صورته،وكل الدوائر صورته،وفي اللوحات كلها الإعلانية صورته،وعلى النقد والكتب المدرسية والبطاقات المختلفة..
سيكولوجية لا يمكن وصفها سوى بأنها خارجة عن المسار الطبيعي لسيكولوجية الإنسان..!
وفي المقابل سلوكية بورجوازية أو رأسمالية أو ارستقراطية تأخذ المنحى نفسه وان كان الأسلوب مختلفا ..ألا يمكننا أن نجد بديلا يكون أصلح لممارسة حياة ذات بعد إنساني يكون الإنسان فيه محورا لما يسن من قوانين ودساتير،وتعتمد قيم إنسانية –أخلاقية-عامة..؟!

……………

بين التقدم والتخلف خيط رفيع
نسيجه “الروح المتقنة لحيويتها ”
ربما من الأسباب التي دفعت أوروبا والغرب والشعوب المتقدمة عموما الى أن تكون كما هي عليه الآن؛ أنها تمتاز بخاصتين أساسيتين.
– أولا: تاريخ بني على نوع من الوعي الديمقراطي-مهما كانت الصيغة – فالمهم أن الفكرة-معنى الديمقراطية- متجذرة في الذهنية وبعض السلوك-على الأقل.. لديها.
– ثانيا:روحية الحيوية الفكرية؛ ومرونة التعبير، وترجمته الى واقع معاش .. هذه الروحية التي أهّلت للتوصل الى المبادرات في معالجة المشكلات وفق معايير واضحة الدلالة؛تكون نسيج الفاعلية لديها، خاصة في العلاقات…
وهذه المعايير الآن هي؛ معايير المصلحة غالبا و معايير المصلحة المادية تحديدا..-وبغض النظر عن التوافق معهم فيها فإنها تشكل ضوابط ذات أثر يعين على التقدم وان لم تخل من عيوب على صعيد الحياة الاجتماعية..لكن البحث جار دائما لمعالجة المشكلات-وهذه المرونة- في ظروف حرية واسعة المدى تنتج الحيوية..
وعلى الرغم من أن الجميع-أينما كانوا تاريخيا وراهنا- يعتمدون المصلحة في الميدان وفي السلوك العملي؛ إلا ان البعض يظل يحاول أن يضفي على منهجه طابعا فيه بعض مثالية؛ مما يجعلها غامضة الدلالة والمضمون والتحديد.. وربما ذاتية مغرقة تلغي حق المختلف في التعبير؛ وقد يصل الى حد إلغاء حق الحياة، بما تجريه من ممارسات الغائية أصبحت ثقافة مكرسة تاريخيا،وربما السبب في كثير من الصراعات غير الضرورية!
من هنا تنبع المشكلات غالبا..!!
فبالرغم من أن المصلحة طاغية في حياة الناس.. هذا ما نقرأ في التاريخ، ونلمسه في الواقع.
و لا تجد القيم المثالية مساحة واسعة من التطبيق في حياة الناس قديما وحديثا –إلا بالقدر الذي ترتقي فيه القيم الثقافية في المجتمع –كما نشاهد اليوم في أوروبا التي بدأت دينية- إقطاعية-بورجوازية رأسمالية… الخ. وانتهت مجتمعا قانونيا ديمقراطيا يشارك المجتمع بكل شرائحه في صنع السياسة فيها، واختيار الإدارة، ونسج بنية القوانين..بتدرج لا يزال مستمرا في الإصلاح باستمرار-وهذه ميزة حيوية-
حتى لم يعد ممكنا لأحد من القيام بانقلابات أو تغييرات طفراتية أبدا،وكنتيجة للمؤسسات القائمة، والتي جردت الفرد-مهما بلغت مكانته المالية، أو الإدارية، في الحياة المدنية والعسكرية…من قوة الفعل ذلك.
لماذا؟
لأن الفعاليات موزعة بطريقة لا تمكّنه أن يسيطر- عبرها- على المجتمع –كما يحصل في المجتمعات المتخلفة، ومنها الكرد والعرب..وغيرهم..
والقيم الاجتماعية تجاوزت قيما ترتد الى انفعالات تفرزها العلاقات البدائية –القبلية أو التعصب الديني أو فروعه..
باختصار تحررت الذهنية-السيكولوجية (الثقافة) من ترسبات ذات جذوة تعود الى تلك الجذور..بل استبدلتها بقيم تلائم ما هي فيه من تطور يزدادا دوما..
فإذا –بحسب هذا الاستنتاج- واحسبه صحيحا- لا بد من توفر عنصر المرونة، والحيوية، وبنية فكرية؛ ترتكز على فهم الديمقراطية وسيلة تعامل بين البشر.- سمها الشورى، أو التعاون، أو الاستشارة، أو التشارك، أو غير ذلك ؛ في الثقافة الشرقية-الإسلامية –خاصة.ودون الوقوف على تفاصيل تعطي مبررات لبعض الأنظمة ان تتخذها مدخلا لخلق إشكاليات ذهنية نظرية ؛ تثير البلبلة في فكر الشعوب لتنشغل بها عن حقيقة شرعية وجودها وممارساتها ..
هنا تكمن مفارقة غريبة…فالغرب الذي أقر بالفردية-بخلاف الشرق الذي يرجح دور الجماعة-توصل الى تحديد الحدود بين الحق الفردي والاجتماعي الى درجة عالية من التوضيح..
بينما الشرق لا يزال يتراوح بين نظرية الجماعة أو الفرد والأولوية بينهما؛ مستفيدا من لغط أثارته الفلسفة الماركسية، والتي تتمتع بعمق فكري فلسفي لكنها –للأسف –رهينة فكر سياسي مسبق التصور والهدف ..وهو ما يخالف طبيعة العلم والفلسفة.. حيث البحث عن الحقيقة حر ..والنتائج هي التي تقرر الحقيقة وفق قواعدها..!
ربما هاتان الحالتان هما التي تفرزان الشعوب والمجتمعات الى:
– إما مجتمع مغلق الذهنية والتصورات وفق أيديولوجية مقررة –سواء أكانت دينية أم سياسية…
– وإما مجتمع منفتح الذهنية..فهو يعتقد بما يؤمن به في مسير حياته؛ ولكنه مستعد للتغيير كلما وجد لذلك سببا مقنعا، وضرورة تستوجب ذلك، ووفق معاير علمية –منطقية..يقررها العقل عبر خصائصه التكوينية فطرة أو اكتسابا للتجربة..!
وربما كان هذا هو السبب في تكوين ذهنية وسيكولوجية مختلفتين بين الشرق والغرب؛ أهم نتائجهما-أو ملامحها- ان الغربي –كمسؤول في الإدارة ومنها الإدارة السياسية- محكوم بالاهتمام بشعبه ووطنه، وتقدمهما؛ لكي يجد له مكانا في العمل السياسي كما يتطلع..في حين ان العكس هو السمة التي تسم المسؤول الشرقي حيث يجد بقاءه رهنا ببقاء الشعب في انحطاط لأسباب ذاتية؛ أو لأجل التحكم فيه مطواعا لبقائه حاكما.
وبالتالي، لا يمتلك الشعب أية قوة للتأثير والتغيير..
ومن الطبيعي ان الخلاصة لذلك هو ما نشهده من التخلف المزمن والمشاكل التي تنتظر الحلول، ولا تجد من يجرؤ-أو يقدر- على معالجتها، وتستنزف من الوطن والعلاقة بين فئات الشعب، ومن الاقتصاد، ومن إمكانية التطور الكثير الكثير . فضلا عن القلق المزمن في الرؤى والسلوكيات والتعامل القانوني..-احترام القانون-
فالأجهزة الأمنية يمكنها ان تتجاوز اعقد قانون في البلاد..وهي تهزأ بتذكيرها به.
………
كنت اتابع إحدى القنوات التلفزيزنية الكردية يقول المذيع ما معناه ضيفنا، المؤرخ والباحث …وباللغة الكردية:dêroknas u lêkolîner
فتذكرت ان الكثير من المصطلحات اللغوية الكردية قد صيغت بسرعة تحت تأثير الحاجة الإعلامية ومحاولة التميز عن اللغات السائدة في ثقافة الكرد. سواء اللغة العربية وهي الأشد تأثيرا لدور مزدوج لها فهي لغة الدين الإسلامي الذي يدين به الكرد معظمهم..وهي تفرض بالإكراه والقوة على حساب منع تداول اللغة الكردية بكل قمع. ومن دواعي الأسف ان أقول :هذه الذهنية العروبية مكرسة في معظم مفاصل الثقافة العربية ..وسيكولوجيها.. وهذه من المشكلات التي تعاني منها الثقافة العربية ذاتها؛ فلا تستطيع تجاوز المعيقات الى انطلاقة تحررها من القيود التي تأسرها، فلا تحسن الإبداع إلا ضمن هذه المعيقات التي تستجيب لسيكولوجية وذهنية قبليتين؛ استحوذتا على فهم ضيق لمعنى واسع للدين الإسلامي..وأشبه ذلك ب”حشر الأوسع في الأضيق”.
ولكني هنا أود الحديث عن اللغة التي تولد ولادة قيصرية غير طبيعية على يد مجموعة إعلاميين أو مثقفين رهن إشارة السياسيين ..وهذا أكثر ظهورا في حالة pkk وان كان الجميع يتبعون ذلك..ولذا فلا نستغرب لكلمات أجنبية “متينك” أو meting” ” ويعني الاجتماع-أو اللقاء .هذه الكلمة موجودة في اللغة الكردية ذاتها “جفين” أو رونشتن كل هف أو ..ال
وموتسفير تعبيرا عن الطقس فيما يمكن قوله بالكردية دنيا أو غير..
هذا الاستعجال الذي يقوم به البعض فقط لإرضاء النفس دون الاكتراث بالتدرج التاريجي لتكوين اللغة الكردية الموحدة ، والطموح المستقبلي لها واحتمالات الكشف عن أسرارها التي حجبت ..قد يضطرنا للدخول في متاهات لا نجد لها مخرجا فيما بعد بسهولة..فنكون كتلك التي تضع الخزام في انفها وعندما تأكل تضطر لتعطل يدها بمسكها حتى تحسن وضع اللقمة في فمها باليد الثانية-كما كان يردد عبد الكريم السيد-احد أصدقائي الأعزاء-

………………
بين المبدأ وما يميّع المضمون فيه.
في الأديان –والإسلام خاصة-ما يشير إلى أهمية قيمة الإنسان كمبدأ.يتجلى ذلك في مضامين آيات وأحاديث مختلفة منها مثلا:
“ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم” الآية.
“ولقد كرمنا بني آدم” الآية
“من قتل نفسا بغير حق فكأنما قتل الناس جميعا” الآية.
لهدم الكعبة أهون من قتل إنسان بري”الحديث
…الخ
وفي أدبيات فكرية-فلسفية ما يشير إلى ذلك كما في قول الفيلسوف الألماني الكبير “كانط”: “لو كانت سعادة البشرية مرهونة بقتل طفل بريء ما جاز ذلك”.
وكل إنسان لم تفسد حدسه المفسدات يدرك أهمية ذلك دون حاجة إلى أي منبه.ومذكر.
وكان الشاعر الإنكليزي “بيرون”بليغا في تجسيد هذا المعنى وهو يحاول تصوير رد الفعل عن قابيل عندما قتل أخاه هابي إذ يقول على لسان القاتل هنا:
“اخي ما دهاك وكنت صباحا قوي الفؤاد قوي البدن؟”
أنوم عراك ……وما الوقت وقت الحسن…
لكن النزوع الشرير -ربما يمكن ان نسميه الشيطان بلغة الدين أو نسميه غريزة العدوان بلغة التحليل النفسي –فرويد- هذا النزوع يغلب فيقول:
ألا ما هلكت وان كان في شحوبك معنى يهيج الحزن.
فالمبدأ في بعض القضايا المهمة هو الذي يفترض ان يكون المقياس والمعيار…لكن اعتياد الناس على التجاوزات على المبادئ وامتزاج ذلك بالشهوات والغرائز والميول تجاه مصالح بمسميات مختلفة منها السياسة التي بدلا من اعتماد مصطلحات لتكوين منظومة ثقافية تكون منارا لسلوك صادق نحو بناء الحضارة ..فإنها تميّع هذه المصطلحات عندما تستغلها لأداء مختلف لمضامينها بتأثير هياج النفس الطامعة والشر الهائج فيها …فلا يعود المبدا هو المقياس والمعيار.
لنأخذ ما يجري في سوريا مثلا..
أصبح عد القتلى من مختلف الأعمار ومن الجنسين كأنه عملية إحصائية أشبه بعد أي شيء متجاوزين-او مهملين- أن العد في هذه الحال لا قيمة له سوى في دعم المبدأ-فالقتيل الواحد كاف للحكم على القاتل –أيا كان- نظاما أم أفرادا أم جماعات..الخ لن نصنفهم مرتكبي جرائم –وللجرائم توصيفات وأنواع مختلفة – برع البعض في تعداداها أيضا للتغطية على المبدأ فيها أساسا وتغليب العدد..
لماذا العقل البشري ينحو هذا المنحى؟
أليس لأن الثقافة السياسية –المصلحية-هي التي تتحكم فيها وتراجعت الثقافة النقية-إذا جاز التعبير –أمام هيمنتها الواقعية، والكل شركاء في هذا..ولهذا كان الحديث الشريف القائل:
من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان…”الحديث.
ليس العد سوى بيان الحقيقة بسطوع أكثر،لا لتكبير الواقع إذا قبلنا ان المبدأ صحيح-وهو صحيح.
…………………
جنون البشر
الوصاف التي تصف حال-أو أحوال- البشر عديدة بحسب مصدر التوصيف ونحن هنا سنعتمد توصيفا اجتماعيا يستند إلى معرفة بخصائص النفس من جهة وتراكم الخبرة –او التجربة –البشرية…
فلإنسان في أصل تعريفه الأشهر هو –كما عرفه أرسطو: “…حيوان ناطق” ويضاف إلى ذلك ” حيوان طاه” و ” وحيوان مدني” و ” حيوان سياسي ” وفي تحليل هذه ا لتعريفات التي تستند على قابلية التغير والتطور لدى الإنسان…وهي قابلية تحتضن المعنى الايجابي فحسب…
لكن الواقع البشري- أو حياة الإنسان الجارية في الواقع- يجعل من هذه التعريفات-أو التوصيفات- بحاجة إلى إعادة نظر…لاسيما أن علم النفس يؤكد على أن حياة البشر تتعقد مع زيادة ما يسمى التطور في التكنولوجيا وما يترتب عليها من نتائج معرفية واستعمالية تنقل التكوين النفسي والممارسات اليومية والميدانية عموما إلى نمط مختلف عما كان. كميزة مهمة في هذا النمط المختلف أن القوة –خاصة قوة الحكم- توفر ميزات لا يمكنها أن تتوفر في ظروف أخرى…ففضلا عن توفير كل المشتهيات المادية والترفيهية فإنها توفر شعورا بالعظمة عمليا ، وشعورا بالقوة العظيمة، وشعورا يقترب من الإلوهية…وهذا ما لا يستطيع أي احد مقاومة إغرائه..
وفي النظم المتحكمة في السياسة العالمية عبر تقاطع بين قوة الاقتصاد وقوة السياسة والقوة العسكرية التي تخدمها…تقوم بإذكاء هذه الروح المستبدة-الألوهية- في المجتمعات المتخلفة ذات الموارد الغزيرة كالبترول والزراعة وإمكانيات السوق التي تستوعب منتجاتها من الأسلحة والآليات المختلفة ومختلف السلع بلغة اقتصادية جامعة.

AllEscort