السياسة في المجتمعات المتخلفة

السياسة في المجتمعات المختلفة
بالمقارنة بين مجتمعات العالم الغربي المتقدم والعالم الثالث المتخلف..نلاحظ بوضوح الأمر التالي:
-في العالم المتقدم المشتغلون بالسياسة قلة قياسا الى مجموع الشعب،الآخرون منصرفون الى أعمالهم ومشاريعهم وهواياتهم وحياتهم الخاصة. ولذلك فهم ينتجون ويبدعون ويعيشون هواياتهم وخصوصية حياتهم في أحسن أحوالها..خاصة انه لا يوجد خوف من السجن والتحقيقات السياسة ..ولا يتدخل الأمن في حياتهم المباشرة..ربما هذه الأجهزة تتابع الناس في أدق تفاصيل حياتهم،وتعرف عنها أكثر مما تعرفه أجهزة الأمن في بلادنا،هذه التي تحشر انفها في كل شاردة وواردة في حياة المواطنين وبدون أهلية سواء لجهة التعامل الإنساني،او لجهة الخبرة في ميدان العمل الاستخباراتي..ولكنهم يعملون تحت غطاء الصلاحيات الممنوحة لهم خارج المطاولة القانونية..ولذا فهم لا يستقون معلوماتهم من خلال التدخل الفظ والمباشر وغير القانوني .بل ويستثمرون ذلك في تخويف الناس،واستغلال المعلومات ضدهم عند اللزوم..عندما يريدون ابتزازهم من اجل المال او من اجل قضايا سياسية او أخرى..فالجهاز الأمني في بلاد الشر ق العربي هو موجه بكل طاقاته ضد اطمئنان المواطن وحرية عمله في أعماله ومشاريعه وحياته الخاصة..ولا يعني هذا انه لا يقوم بما هو إيجابي كجهاز له حضوره في ذاكرة وسيكولوجية المواطنين بشكل أو بآخر ولكن الجانب السلبي لديه أطغى.
ونحن لا ننكر الدور الأخلاقي الذي يضمر نتيجة للثقافة المادية والمبالغة في الحرية الشخصية –كما يبدو في الغرب -..ولكن يبدو أن طبيعة الحرية تفرز أشياء غير مريحة..إلا ان الذي يمارسها يبقى مسؤولا قانونيا وأخلاقيا عنها (كل شاة بكرعوبها معلقة).
ومع ذلك فهل منعت الممارسات الشرقية ،المجتمع الشرقي من ارتكابات وانحلالات في القيم..؟ بتقديري ان المجتمع الشرقي يتجه إلى ما يوجد في الغرب من التقاليد الأسوأ أكثر مما يحافظ على قيم نقية –كما تصور عادة –لديها.
-في العالم المتخلف يتهافت الناس على السياسة دون ان تكون نتيجة وعي لها ولدورها سوى تلك المعلومات المغلوطة والمزيفة والتي تدغدغ العواطف والمشاعر يجدلها قادة السياسة لتامين اكبر عدد من المؤيدين لاتجاهها السياسي والذي يغلب عليه الرغبة في المكانة القيادية التي يطمح إليها،ولكنه –دوما –يلبسها ثوبا من معان تدغدغ مشاعر العامة كالقول:ضرورات وطنية وقومية-النضال ضد الاضطهاد-حرية الوطن والمواطن…والعبارات المختلفة التي تخدم هذه الحالات..وبدون ريب فإن تلك المعاني قد تكون صحيحة في كثير من الأحوال..ولكن استخدامها غير الصحيح وبدوافع ذاتية من المهيمنين على مشاعر الناس هي التي تحرفها عن مساراتها..
ولكي يحققوا غاياتهم الشخصية فإنهم لا يراعون ظروف العمل السياسي ومدى تلاؤم العمل مع الإمكانيات ..فمثلا في مرحلة من تاريخ الحركة السياسية الكردية كانوا ينسبون طلابا بعمر الثالث عشر والرابع عشر في الحزب..وكذلك سبقهم العرب في استخدام الأطفال..وهاهو البعث ينسّب ابن السادسة في منظمة ذات توجه سياسي تحت اسم “الطلائع” الهدف منها تنشئة الأطفال على قيمهم ومناهجهم.بعبارة أخرى مصادرة حق التفكير والنشوء ونمو الآفاق من أبناء الشعب بإجراءات سلطوية غير شرعية باعتبارها تنبع من حزب استولى على السلطة انقلابا ولا يزال وان أجرى بعض المظاهر الانتخابية غير الديمقراطية ولا النزيهة.
وفي نظام الإدارة البعثية فإن الطفل في عمر السادة-الصف الأول الابتدائي-يلقن مفاهيم سياسية للخضوع لاتجاهه ومصادرة قدرته على التفكير الحر وعلى الاختيار..ليس فقط في السياسة بل في مجمل اتجاهات حياته ..لأنه يصبح كائنا مسلوب الإرادة النفسية –على الأقل-فيفعل ما يطلب منه منذ السنوات الأولى من عمره ويعتاد ذلك.. حتى في أرذل العمر..-إلا من رحم ربك-وبذلك تنحصر الإدارة دوما في أيد قليلة في هرم السلطة ويتحول الآخرون الى مجرد منفذين ومصفقين للأوامر لقاء بعض فتات من المال(العام) المسخر لمصلحة الحكام بدلا من مصلحة الشعب. أو من مراكز غالبا ما يمارسون فيه دور المنفذ لرغبات الأعلى بدون ضوابط قانونية خاصة ان العلاقة الحزبية تلزم الحزبي بذلك..فضلا عن استثمار قوة السلطة ضد المتمردين على النظام الحزبي أو أفكار المسؤولين فيه..
وهنا الطامة الكبرى..حيث تنمو الشخصية الفردية نموا مشوها..وينعكس ذلك سلبا على الحياة الأخلاقية والإرادية-إذا جاز التعبير- للإنسان فيتحول الى متملق متزلف مصفق لا حول له ولا قوة سوى التفنن في هذه الأحوال السلبية المؤذي لقيمة الإنسان ومعنى وجوده وممارسته للحياة والأهداف التي يفترض انه يعمل من اجلها..وليست السياسة سوى بعض هذه الأهداف والممارسات..
…………………………………………………………………………………….

غياب الفكر السياسي
في الواقع إن غياب الثقافة السياسية او الفكر السياسي الكردي في سوريا،يربك التفكير وسلوك الشرائح الكردية المختلفة –المثقفون،الشارع،
وبعض القواعد الحزبية –إن لم نقل كلها..فالقواعد الحزبية الكردية إما أنها مهمشة ولا شان لها إلا في مناسبات التصفيق والتحشيد لغاية ما..
المشكلة في تركيبة أحزابنا جميعا..أنها أسيرة نظريات وتربية ظروف سابقة(الماركسية والثوروية أو انها تحمل بذور –أو تستند إلى جذور – حالة كانت الأحزاب فيها ذات تكوين بورجوازي منهك أخلاقيا،وتفتقر إلى وقود نضالي فيه إقدام،وفيه استعداد للتضحية،والتمسك بالمبادئ المتفق عليها بناء على دراسات واقعية وموضوعية..وهذه لا تتوافر في تلك الأحزاب التي
تزعم الثورية (ا والثوروية) حيث أنها تحت شعاراها المصبوغة بحيوية الإثارة الغريزية للشباب ..تستثمر طاقاتهم دون تربية سياسية هادئة تستند إلى فكر سياسي علمي، بناء على دراسات مختلفة من تجارب الشعوب والأمم.. بل تعمد الى فكر احادي –فكر القائد الفرد المبدع والفذ والذي لم يولد مثله بعد..ولن يولد..الخويبرر هذه النظرة سلوكهم التلقيني للشباب في مرحلة لا يملك استقلاليته الشخصية بسبب عدم توفر عناصر النضج الطبيعية في بناء الشخصيات..
والمشكلة أن هذا الاتجاه قرر أنه الأفضل وله الحق في التصرف في حياة الشعب وأفراده –نظرة استبداية انتجها النظرية المشتقة من الماركسية وتجارب الزعما الأفذاذ أمثال كاستروا الذي سمح خلفه قبل أيام بشراء الموبايل وبعض الجهزة الكهربائية –بحسب وكالات الأنباء…!!!-
كاسترو خلقه الله وله الحق باسم الشعب في استخدام كل شيئ سواء المخترعات و او أسباب الرفاهية..لمدة توازي مدة تسعة رؤساء للولايات المتحدة الأمريكية..إنه فذ غنه متميز..!!!
وقد استمرأت بعض الأنظمة العربية –البعثية –هذه اللعبة وشدت ازر كاسترو ليشد ازرهم في الحكم الاستبداد..وهكذا أصبح الحكم ضمن قاعد\ة-حك لي لحك لك- بحب المثل الشامي…والشعوب لا تملك سوى التصفيق.
إنا لا نريد مثل هذه الأفكار التي تستعبد الشعب وتحيله الى مجرد وقود لطموحات او اخطاء مثل هذه القيادات المستبدة ذات التميز والانفراد عن الشعب وبالتالي حكم الشعب الى آخر يوم من حياته،بل وتورثه لمن يراه –وربما ابنه او ابنته_
………………………………………………………………………………………………..ز
السياسيون يحسنون اللعب
لو انطلقنا من المشكلة الفلسطينية باعتبارها الحدث المباشر الآن والذي يشكل محور أعمدة الأخبار، خاصة إثر زيارة جورج بوش رئيس الولايات المتحدة الأمريكية إليها.
ماذا يمكن ان نقول بشأنها..؟
فلسطين دولة كانت مستقلة قبل الثامن والأربعين من القرن الماضي.وان كانت تحت الاحتلال –حينذاك- المهم دولة لها خصوصيتها كوطن ويحكمها حكومة خاصة بها ولكنها تحت الاحتلال.
ومنذ الثامن والأربعين..من القرن الماضي أصبحت مادة يتلهى بها السياسيون باعترافهم هم عبر التراشق الكلامي والاتهامات التي يوجهونها لبعضهم بعضا سواء بين الأنظمة الحاكمة في الدول العربية –إذا جاز تسميتها دولا- بالمعنى السياسي الدقيق.أو بين السياسيين الذين يحكمون فلسطين من أبنائها.ومثلا فتح وحماس..اليوم..!
أو على مستوى الدول الأوروبية وأمريكا..
فإن فلسطين منذ ذلك الوقت مادة للتسلية بين السياسيين يزورونها،ويطلقون التصريحات باستمرار حول أفكار تظل تتكرر حتى الابتذال..ووعود تظل تطلق حتى الملل..وشد وجذب كلامي أستغرب كيف انهم لا يملونه طيلة هذه المدة حولي ستين عاما..!
والغريب ان اللغة السياسية تستوعب الحديث عن مشكلة محددة طوال هذه السنين..!
هل اللغة واسعة أم ان القدرة على التكرار كبيرة..؟!
وهل التكرار يهدف الى حل في أي قضية كانت؟
التجربة تعلمنا ان المشكلة ككرة الثلج،كلمالا تدحرجت زاد حجمها..وهذا ما فعله السياسيون في قضية فلسطين..سواء اكانت الأنظمة العربية التي ظلت تاجر بالقضية من جهة واصبحت عبئا على قدرتهم على اتخاذ مواقف واقعية من جهة.أو السياسيون الفلسطينيون انفسهم والذين وجدوا في القضية مادة دسمة يعيشون على توهجها زعامة ومالا ونمط حياة مرفهة بمعنى ما..فضلا عن ذلك يتطلب الدخول في محاور عربية ..وكذلك عالمية تحت بند الصداقات وهي –في الحقيقة-ارتباطات لها ثمن بشكل ما..سواء اكانت الارتباطات للانظمة العربية المتساية بالقضية..او الدول الغربية المتاجرة بوضوح بالقضية وانعكاساتها على المنطقة لحماية مصالحهم.
……………………………………..
من طبيعة الأمور أننا نستحضر التاريخ عبر وقائع عسكرية أو تفاعلات اجتماعية بأبعادها المختلفة: العسكرية الدينية أو الاجتماعية أو الأخلاقية أو السياسية أو الاقتصادية أو الفولكلورية..الخ لكي نعتبر بها أو منها ومن نتائجها السلبية أو الايجابية..
المشكلة أن هذا الهدف يكاد يغيب ضمن الصخب الإعلامي الذي يطغى على أسلوب التنافس –غير البريء-في استحضار الماضي..وخاصة استحضار حياة العظماء في حياة وتاريخ الشعوب سواء شعوبنا التي ننتمي إليها،أو شعوب العالم المختلفة وتجاربها الغنية والمختلفة ..وهذا ما يحدث –غالبا –عندما تتبنى جهات سياسية (نظام –حزب…)فعل ذلك..
من هنا فإن الاهتمام بمثل هذه الأمور في الإطار الثقافي وبأدوات ثقافية سيكون المناخ الأفضل ..لذلك،لما في طبيعة الثقافة من الحرص على الحيادية والموضوعية وتوخي الدقة والمصداقية في تناول الماضي-والحاضر والمستقبل أيضا- وتحليل أبعاده لأخذ العبرة بخلاف الحالة السياسية التي تسخر كل شيء ومنها.استحضار الماضي وعبره ليوظفها لغايات سياسية ..وهذه واحدة من المشكلات التي تبقي التوتر والتخاصم والصراع في الحياة بين المجتمعات المختلفة..إضافة-طبعا-إلى المصلحة المحركة لهذه النزعات السياسية..وعلى الرغم من أنها كثيرا ما تكون مصلحة وطنية أو قومية أو إنسانية حتى..إلا أن غلبة الميول الخاصة تؤثر على اتجاهات العمل الوطني والقومي والإنساني غالبا.. وهذه هي المشكلة المزمنة في هذه القضايا والتي تسبب أغلب المشكلات التي تطالعنا بين الشعوب والأمم ومنها مثلا الحروب المختلفة وتحت أسماء مختلفة وعناوين مختلفة وأهداف مختلفة …!
من هذه المناسبات والوقائع في حياة الشعب الكردي مثلا مناسبة :تأسيس أو ل حزب كردي في سوريا،ومنها الاحتفال بمناسبة وفاة المرحوم الخالد مصطفى البار زاني،ومنها الاحتفال بعيد النيروز الكردي في 21/3/ من كل عام.
إذ تتحول هذه المناسبات إلى نوع من تجاذب المناسبة بدوافع حزبية خاصة ولمصلحة حزبية خاصة لا تصب –غالبا-في مجرى المصلحة العامة للشعب الكردي..بل قد تتحول إلى مناسبة تتجدد فيها الاختلافات بين الكتل والأحزاب والفروع السياسية..وينعكس ذلك سلبا على حياة الشعب والجماهير أيضا.
كنا نأمل أن تكون المناسبات المهمة في حياة الشعب الكردي محطات يلتف حولها أبناء الشعب الكردي ويتخذوها منطلقا لتطوير العلاقات الكردية والاتجاهات الفكرية الكردية على كل صعيد،وعلى صعيد السياسة خاصة.
ما يحدث في الواقع لا يرتقي إلى هذا المستوى –للأسف- وهذا ما يقلق المهتمين واليقظين إلى أهمية هذه الأحداث التي يجب أن تستثمر للتقارب الكردي ولتوحيد الوجدان القومي الكردي بدلا من بعض المظاهر التي لا تغني ولا تسمن من جوع،بل ربما تكون من أسباب تعميق الاختلافات وتشتيت النزوع الوجداني والعاطفي نحو مفاهيم الشرذمة.
ولعل الغيورين على حياة الشعوب والمجتمعات بل الإنسانية في كل أصقاع الأرض يتنبهون إلى هذه الحقيقة فيلتفتوا نحوها يتعاملون معها بطريقة منطقية ومبدعة تستند إلى المعطيات الواقعية أيضا..
لعل هؤلاء يساهمون بوسائلهم الخاصة –والعامة-فالخصوصية هي في طبيعتها الأصلية متعانقة مع العمومية .وبتعبير بعض المسلسلات الكارتونية “الكل في واحد والواحد في الكل”. أو بحسب موضوع علم النفس العام..الخصائص النفسية المشتركة بين الجميع(ذاكرة –فكر- عاطفة في عموميتها-..)ولكن الخصوصية في استخداماتها .
…………………………………………………..

سيطرة الثقافة السياسية ومؤداها
01
أيار
2010
محمد قاسم
طباعة
البريد الإلكتروني
< السابقمقالةالتالي >

محمد قاسم

m.qibnjezire@hotmail.com

تبدو سيطرة النهج السياسي في إدارة الثقافة –أو في سْير الثقافة عموما- مشكلة كأنها مستعصية على الحل ..خاصة في المجتمعات المتخلفة.

صحيح إن المشكلة مزمنة وقديمة،ولكنها تلمس طريقها إلى الحل باستمرار –على المستوى الحياتي العام واليومي- كلما تقدم النظام السياسي في المجتمع، وانعكس نظاما اجتماعيا في مستوى أفقي وعمودي..وفي تفاعل عملي ومنتج.أو استحال الأداء في النظام السياسي إلى ممارسة لثقافة تتمدد باستمرار في الحياة الاجتماعية وتتعمق.

و يبدو أن الوسيلة الوحيدة لذلك هو، الدور المتنامي للثقافة بإرادة حيوية من المجتمع؛ وبشقيه- الحاكم والمحكومون-.

في النهاية كلاهما-الحاكم والمحكومون- أبناء وطن واحد،ويفترض أن مشاعر وطنية تسكن روح كلا الطرفين،كما أن ورثة الحاكم والمحكومين ينبغي أن يتعايشوا مستقبلا –وقد لا يكون الحاكم حينها حاكما..وربما أصبح المحكوم –حينها- حاكما..(أجارهم الله من روح الثأر .!).

فلا بد-إذا- من تنمية سيكولوجية شعبية؛ توفر حشدا شعبيا يسند هذا الاتجاه؛ وهي: سيكولوجية العمل من اجل التطور- مع الاستعداد للتضحية أيضا- كثقافة تترسخ دوما في المجتمع-.

وهنا لعله من المهم، التفريق بين أمرين ؛لفهم أعمق وأشمل.

فالمعلوم أن البشر كلهم ذووا قوة باطنية(معنوية) –بغض النظر عن كيفية تشكيلها، وهل هي فطرية أم اجتماعية.

المهم أنها قوة متوجهة نحو فعل الخير في العموم [i]-وتتضمن شعورا بالذنب في حال المخالفة – مرة أخرى بغض النظر عن وتيرة قوتها الايجابية قوة أو ضعفا-إلا أنها تبقى قوة مشتركة بين البشر-وفق هذا الاتجاه في الفهم، ويمكن اعتبارها من المشتركات بينهم..

هذه القوة هي: ما يسمى بالضمير في الثقافة الشعبية والعلمية أيضا.[ii]

هذه القوة- قوة الضمير- وهي الحاكمة على الفعل، والشاهدة لتنفيذه..!

وتأتي الصعوبة في البحث في الإنسان من هذه النقطة بالذات؛وهي أن الإنسان هو نفسه الباحث وهو نفسه موضوع البحث..فهذا الازدواج المتداخل يجعل من البحث مهمة حساسة جدا.

من ناحية أخرى،إن هذه القوة-قوة الضمير- تقوى وتضعف بفعل مؤثرات تربوية واجتماعية عموما..

فقد يكون في مرحلة ما؛ شديد الحساسية، تظل تقرع بالشعور بالذنب كلما أذنبنا- ذنبا صغيرا أم كبيرا..فلا تدعنا نرتاح حتى نصحح مسارنا الخاطئ،أو نتجاهلها فنتجه نحو صراع داخلي قد يؤثر سلبا على شخصيتنا من الناحية النفسية-أو لنقل الصحة النفسية..

وقد تكون هذه القوة –قوة الضمير – في مستوى، يسمى “انعدام الضمير” أو درجات تقترب من ذلك. ويمثل علماء النفس والفلاسفة لذلك، بتأسف قاطع طريق على إفلات ضحيته..!

فالشعور هنا سلبي، لأنه شعور الآسف على عدم تحقيق الجريمة،لا شعورا بالأسف لأنه أجرم.

لذا فالأفضل أن نؤمن بان هناك قوة خيّرة تسكن كل شخص في العموم-حتى وإن كانت جزئية-..وما علينا سوى البحث عن مكمنها فيه، لإثارة الروح فيها،وتنشيط الحيوية فيها،قبل أن نتعامل مع أي ظاهرة بشرية. ومنها السياسة..

ولا بد من التنويه-بالمناسبة- إلى أن هناك سيكولوجية شرقية تعشش فيها العنف بعمق تاريخي .. وتعزز هذا العنف السيكولوجي، في مرحلة التحرر الوطني من الاستعمار الغربي، عبر سلوك انقلابي أصبح ثقافة مؤد لجة على يد “الثورويين” القوميين، والذين استقوا من بعض أفكار الفلسفة الماركسية عناصر تخدم اتجاههم هذا..

فمثلا لا يزال تعريف حزب البعث بأنها:حركة انقلابية ثورية..الخ. فهنا أصبح السلوك الانقلابي الميداني ممنهجا –أيديولوجيا- كثقافة تراكمية؛ تضاف إلى الأصل العنفي –ألغزوي-إذا جاز التعبير- لدى العرب منذ القبلية البدائية ” مسابقة داحس والغبراء” وآثارها” و ” الناقة في حكاية الزير سالم” ..

والأمر نفسه في ثقافات المجتمعات المتكونة على أسس عشائرية وقبلية ..ونسبة الأمية فيها تفوق الـ 50% في كل الحالات-كما كانت سائدة بشكل مطلق تقريبا في تلك العهود..

وعلى الرغم من تنامي التعليم وئيدا في هذه المجتمعات..إلا انه تعليم سطحي أفقيا في المجتمع ..و لا يرقى ليكون التعليم المتعمق الذي يؤثر في تكوين ثقافي يدخل في نسيج بنية النفس لدى المتعلم،وينعكس سلوكا حضاريا في السياق الاجتماعي بمراتبه المختلفة.

ينتج عن الحالة تعلم، أو ما يمكن تسميته –تجاوزا- ثقافة- تغيّب التفكير التأملي، لحساب التفكير السطحي- وربما الغوغائي- بربطها بأيديولوجيات سياسية مشبعة بالمشاعر، واللعب بالعواطف؛عبر مفاهيم تدغدغ، كالقومية، والوطنية، والديانة بفهم خاص. وتضاف الى ذلك حقنات من الخوف الذي يحيط بحياتهم، عبر أساليب مختلفة تتولاها أجهزة مدعومة بالمال والصلاحيات؛ أقلها عدم مسؤوليتهم القانونية عما يمارسون من وسائل القمع والتنكيل والتعذيب..حتى نمت ثقافة عنفيه في سلوكياتهم، وتبلورت الى ما يشبه حالة تلذذ بالتعذيب.!

لا تنحصر فقط في جهاز محدد،بل تمتد الى مشاعر الحكام.. عندما يخيّل لهم أن المعذّبين من الطامعين بالحكم، واحتمال تأثيرهم على زعزعة أركان السلطة لديهم-وهو ما لا يمكن تقبله منهم أبدا…[iii]

ومع أن الكثير من المعارضات تطالب بالتغيير سلما، وبوسائل سياسية سلمية.لكن الأنظمة التي جاءت عبر الانقلابات تتوجس خيفة من أي تنامٍ لأي حركة تدعو الى التغيير،لاسيما وقد استمرأت الحكم..!

و من المؤسف أن هذه المعارضات أصبحت تقلدها في ذلك-خاصة ،الشخصيات الإدارية في هذه الأحزاب المعارضة ..لذا فالمحظور موجود بالنسبة لها أيضا بأن تتحول هي أيضا الى حكومات مستبدة إذا تولت الحكم –تحليل سيكولوجي لواقعها-

لذا فالتوجه الى تكوين ثقافة سلمية، والتقليل من الممارسات العنفية من الشعوب أيضا شيء مطلوب..وهذا يذكرنا بمبدأ اللاعنف لدى غاندي والذي واجه به المستعمر الأقوى في حينه-بريطانيا..بل إننا لا نرى في منهج الإسلام المحمدي عنفا إلا في حالات الدفاع عن النفس كما يؤكد الباحثون والمؤرخون المنصفون[iv].

المشكلة الأهم، والمثمرة سلبا في مجرى السياسة،هي أن السياسة مؤسسة على حالة نفسية من تراكمات تربوية اجتماعية متخلفة؛ “مبناها” روح التزعم بأي طريقة كانت..

وبالتالي غلبة رد الفعل في التفكير واختيار القرار ..الخ، وحواشيه؛مما يجعل النشاط يدور حول محور واحد؛ بنيته الأساسية نفسية،وحواشيه حب الظهور ،والشهرة، والتسلط عبر مفهوم الزعامة؛ بأفق قبلي بدائي، وثوب عصري شكلاني..تقليدا للأمم الأكثر تقدما في المظهر،بل وتفوّق عليها في ذلك..[v]

يبدو جليا من نمط الزي،فخامة المسكن ، البذخ في المناسبات المختلفة، وتسمية البعزقة كرما إرضاء لذات تسعى للتفوّق، وتطويع الناس نفسيا عبر أية ظاهرة يمكن إتباعها..[vi]

وكمثل متواضع على ذلك..في بعض القبائل-أو العشائر- لا يقبل زعماؤها الطعام ما لم يكن فوق السفرة رأس الذبيحة-الغنم- وقد اضطر بعضهم لإرضاء أربعين منهم حضروا مناسبة عنده..أن يشتري من السوق عددا من الرؤوس ليضعها على سفرة كل زعيم قبلي.. تجنبا لخسارة كبيرة بذبح أربعين ذبيحة ..”فتأمل يا رعاك الله” [vii]

إن الخلفية النفسية لهذا السلوك يدل على المدى الذي ينزلق إليه الفكر من السطحية، والسلوك من التفاهة.

وقد يحصل شيء من هذا –في شكل آخر-لدى سياسيي المجتمعات المتخلفة،والذين يتخذون شكلا عصريا –في المظهر- ولكنه يبقى ذات السلوك النفسي القبلي..سلوك كل رأس ذبيحة على سفرة الزعيم ..فلا نستغرب مثلا من سياسيين مختلفين حول الزعامة يحاولون أن يضفوا مفاهيم مزيفة وكاذبة يكرسونها –على قضايا وطنية وشعبية لا صلة لها بها؛ ليستدرجوا الناس الى فخاخهم الهشة والتي تبدد–في النهاية- مصلحة الوطن والشعب معا..وعلى المدى البعيد مصلحته أيضا،لأنه يصبح رهينة لثقافة معينة يؤسر من خلالها من النظم القوية التي تسخّر ذلك، من اجل مصلحتها.لا يمنعها أي شيء كما حصل لـ”صدام” مثلا..وكما يحصل في كل بلدان العالم الثالث، حيث يصبح الزعيم مستجديا لدول تظل تسايرها مادامت مصالحها تتطلب ذلك، ولكنها بسهولة تتنصل منه عندما تنتهي مصالحها معه، كما حصل لشاه إيران-شرطي الخليج-كما كان يسمى حينئذ..وصاحب أقوى جيش في المنطقة..فقد مات بعد تنقل بين عدد من البلدان تستضيفه فترة محدودة ثم تطلب منه الرحيل حتى استقر في ضيافة رئيس مصر السابق “أنور السادات” والذي برر ضيافته برد جميل للشاه على بلده.

والأمر ذاته يحصل في كل البلدان المتخلفة والتي لا تستطيع الوقوف في وجه الأقوياء، لاسيما تلك التي غير متصالحة مع شعوبها، ومرة أخرى كما حصل في العراق. إذ سقطت بغداد خلال أقل من أسبوع، بعد أن أنهك النظام في خيمة صفوان، وفرض عليه مناطق تحظر الطيران الحربي فوقها داخل العراق نفسه-دون الدخول في سجالات لا تغني.. فالواقع هو سيد الموقف لا البكاء على الأطلال كما اعتاد الكثيرون في ثقافة مهزومة..!.

[i] -يقول جان جاك روسو وكل الذين يقولون بعصمة الضمير : “الضمير صوت سماوي خالد”

[ii] – من الناحية الفلسفية هناك اختلاف حول ما إذا كان الإنسان خيّر فطرة أم فيه شر…ولكن ما يستقر في النفوس في الاتجاه العام هو على الأقل القابلية لتبني الخير كنتيجة تربية دينية وأخلاقية…وهو تفسير يحتاج بحثا –على كل حال.

[iii] – هذا اليوم كان الرئيس المخلوع في قرغيستان-وهو نموذج جيد لهؤلاء الحكام- يصرح عن استعداده لدفع البلاد الى حمام دم إذا تطلب الأمر ولا يتخلى عن منصبه.

[iv] – في معركة بدر كان الاتجاه نحو استرداد أموال المسلمين التي تركوها في مكة عند هجرتهم،ولم يكونوا متجهين نحو القتال والعنف، لكن قريش هالها أن يتطلع المسلمون الى خطوة مثل ذلك فأرادوا كسر شوكتهم وكانت معركة بدر الكبرى.

[v] – من المعروف تاريخيا أن احد ملوك انكلنرة –ربما جورج الخامس- تخلى عن الملك من اجل امرأة أحبها ..إنه خيار فردي يحترم الذات،وقد فعلت سيسيليا زوج الرئيس الفرنسي ساركوزي ذلك إذ تركته بعد أن نجح في الانتخابات وأصبح رئيسا وهي السيدة الأولى،وكانت قد أعانته في مختلف مراحل الانتخابات التي نجح فيها.

[vi] – والمحنة هي في أن هؤلاء الذين يستهينون بشعوبهم ومواطنيهم تحت تأثير العنجهية هذه هم الذين يركعون في خنوع-غالبا –للغرباء الذين تمثلهم القوى المتنفذة في المستوى العالمي..فيضطرون الى المداهنة والزيف في الشعارات ودعم ثقافة مختلفة عن مصلحة الشعوب والأوطان معا.

[vii] – عبارة كان يكررها مقدم برامج في التلفزيون السوري قبل الفضائيات اسمه الدكتور توفيق البجيرمي. ربما البرنامج كان باسم”عجائب وغرائب”
………………………………………
منقول عن موقع رابطة ادباء الشام
http://www.odabasham.net/%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84%D8%A9/51797-%D8%B3%D9%8A%D8%B7%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D9%85%D8%A4%D8%AF%D8%A7%D9%87%D8%A7
……………………………………………………………………………………..
جرائم السياسة
محمد قاسم

m.qibnjezire@hotmail.com
منذ خلق البشر فإن الجريمة مرافقة لوجوده؛ ربما منذ قتل قابيل أخاه هابيل…كما وردت القصة في القرآن وغيره من الكتب المقدسة…
ولعل الجريمة نزوعٌ مخلوقٌ مع الإنسان. بدلالة الآية القرآنية (إن النفس لأمارة بالسوء). على الأقل في عقيدة المؤمنين بها.
كما يؤيد ذلك بعض علماء النفس. ومنهم: أصحاب مدرسة التحليل النفسي –فرويد وتلميذاه يونغ وأدلر-والذين يرون في العدوان نزوعا فطريا في الإنسان. وفي الفلسفة يقرر “هوبز” وأمثاله -أيضا-هذا الأمر.
بحسب ما فهمت؛ فإن التفريق بين حالتين قد يكون ضروريا هنا.
– حالة وجود غريزة العدوان في النفس البشرية مع وجود القابلية للتقليل من أثره-أي العدوان-وربما إلغاء مفعوله؛ بالتربية والقناعات الإيجابية المنضبطة بقيم إنسانية أصبحت معروفة ومقبولة.
– المعنى الممكن فهمه على أنه: حالة غريزية-فطرية لا بد من تنفيذها لأننا محكومون بها من الذي خلقها (نوع من الجبرية)
وأنا أميل الى التفسير الأول –وان كان التفسير نفسه يغلب فيه –عادة-الرأي، والاجتهاد-.
الرأي-او الاجتهاد-احد مصادر التشريع كما يعلم الجميع…او على الأقل مرحلة فيها بعد الوحي-السنة-القياس-الاجماع، الاجتهاد.
مع أن الاجتهاد يرافق-ضرورة-الفهم والتفسير منذ –القرآن والسنة. !
فالبعد البشري هو المتحكّم في الفهم والتفسير. وذلك قد يكون متفاوتا من شخص لآخر بحسب مستواه العلمي والذكاء الذي يتمتع به والمصداقية في البحث…الخ. وهي معايير يفترض أن يُحتكم إليها عند التقييم.
فما هو الدافع الى الجريمة…؟
مهمة تولاها الباحثون في شؤون المجتمع تحت ضمن علوم مختلفة منها علم النفس، وعلم الاجتماع، وعلم القانون، والفلسفة…إضافة الى ما توفر من التاريخ الديني، والأسطوري…في صيغ سردية كقصص وحكايات، آو الإشارة الى المثوبة والعقوبة من وجهة نظر دينية-وفقا لحكم الشرع، بحسب المتدينين-أم بصياغة أحكام تعتمد كمعايير-في المحاسبة… الخ.
وبشكل سريع، فان الجريمة لها أسباب عديدة منها:
السرقة، الغلو في الشعور بالقوة، الطغيان عموما، الحقد، الثأر، الظن بتحقيق العدل في استعادة الحقوق ..الغيرة خاصة مع الجنس الآخر –في أية صورة كانت…الخ..
ولكن هذه الأنواع جميعا تبقى جريمة ذات طابع فردي منحرف غالبا، او طابع جماعي منضبط نوعا ما؛ بأعراف وقيم وتقاليد القبيلة –بغض النظر عن مشروعيتها.
أما الجريمة السياسية فهي تفوق كل الأنواع؛ شكلا؛ ومساحة، ونتائج، وآثار…! فالجريمة –هنا – جريمة منظّمة، وتتحول الى ثقافة –وأيديولوجيا-تستشري في المجتمع؛ برعاية الساسة المنحرفين، عبر عدد من السلوكيات التي يتعهدها السياسيون بالرعاية والتنمية ضمانا لتحقيق غاياتهم –وقد تكون غير مشروعة-سواء في حيازة السلطة أم أثناء ممارستها. لأن المحرك للسياسيين واقعا-مهما حاولوا تغطيتها بتوصيفات قيمية-هو المصلحة بمعزل عن الأخلاق، ولكن البلدان المتقدمة تقدمت في ثقافة قانونية ترتقي باستمرار كنتيجة لحرية تتيح تفاعلا فعالا. وقد تصل الى مستوى الأخلاق كضابط.
بينما القانون يصبح أداة لتنفيذ الجرائم من قبل سلطات تتحكم به كما تشاء، صياغة وتفسيرا، وتطبيقا، وتعطيلا إذا تطلب الأمر…!
ومن هذه الجرائم –بمعنى ما، او ما يمهد للجريمة على الأقل-اعتماد سياسة فرق تسد، نشر ثقافة الأجهزة الأمنية الخارجة على القانون أحيانا كثيرة، -او تمارس أنشطتها فوق القانون-وتتلقى تدريبها على عمليات التعذيب والاغتيال بمعزل عنه أيضا، التغلغل في تفاصيل حياة الناس عبر أجهزة أمنية لا تلبث أن تستثمر هذه التفاصيل لغايات خاصة –سياسية او شخصية -في البلدان المتخلفة خاصة…!
ولقد كان الاغتيال فرديا في مرحلة ما، لكنه أصبح جماعيا. وكنتيجة لتطور التقنية العسكرية، وتراجع القيم الأخلاقية –في السياسة. بحجة العلمنة تارة، وبحجة أنها لا تنضبط بثوابت تقونن الممارسة فيها ..أو لأن في الأمر ما يستجيب لأهواء السياسيين من الانعتاق من ضوابط الأخلاق ذات الظل الثقيل بالنسبة الى الغالبية فيهم.
وكأن السلوك السياسي –مهما كان طبيعته – أصبح يندرج في خانة التبرير لذلك. ذلك في ظل تغييب فعالية العقل الايجابية –في المجتمعات المتخلفة، داخليا. والتي تختبئ خلف مفاهيم وفتاوى مختلفة، منها: الدينية ومنها القومية والوطنية …الخ. ولكنها جميعا تلعب الدور نفسه لدى هؤلاء السياسيين –خاصة عندما يكونون في الموقع السلطوي فعليا.
منذ أكثر من قرن قال أمير الشعراء أحمد شوقي:
قتل امرئ في غابة جريمة لا تغتفر= وقتل شعب آمن مسألة فيها نظر
هذا المضمون يصح في كل حالات القتل المتجاوزة –وتحت أي بند كان. وما أسهل تزويق التبرير تحت عناوين الوطنية والقومية والدين. والمصالح العليا…الخ. في المجتمعات المتخلفة التي تفتقر دائما الى ضوابط قانونية قابلة فعليا -كسلوك اجتماعي وثقافي ..–للتحقق كآلية قانونية لا يمكن اختراقها بسهولة بضمانة الثقافة الديمقراطية-كما يحصل في الغرب او الدول المتقدمة عموما..
لقد بتنا نسمع عبارات من مثل: ما قتل غير عشرة مثلا. او مئة او خمسة. المهم دخل مفهوم العدد في تقييم الموت، وليس مفهوم حرمة قتل الإنسان ولو كان واحدا..
سواء من قبل منظمات تمارس عملية القتل –مهما كانت. -أم من قبل سلطات وأجهزة أمنية بدءا من الشرطة ومرورا بالأجهزة الاستخباراتية المختلفة، وانتهاء بالجيش عندما يزج به في قمع الشعوب …!
المسألة –هنا-مسألة مبدأ وليس مسألة عدد.
“كل المسلم على المسلم حرام، دمه وعرضه وماله “.
وقد قرر القرآن، أن قتل نفس واحدة بلا حق-بريء-فكأنه قتل للناس جميعا. فكيف يفسر الذين يحرقون المدارس او المؤسسات بمن فيها بالصاروخ او القنابل، او المتفجرات، او غير ذلك. كيف يفسرون سلوكهم؟!
وما هو الحق الذي يبرر قتل الأبرياء…؟
وكيف يبرر السلطويون تجاوز حقوق الناس بالسجن والتعذيب او الدفع الى الموت بطرق ذكية لا تترك أثرا عليهم. او القتل المباشر –مهما كانت المبررات؟!
في المجتمع المتقدم يستخدمون خراطيم المياه –وإذا اضطروا فالغازات المسيلة لدموع. او أية طريقة لا تؤدي الى القتل.
في المجتمعات المتخلفة. بمجرد توتر القوى الأمنية –أيا كانت-فالرصاص الحي يلعلع في صدور الآمنين، لا يفرق بين طفل، وشيخ، وامرأة، ورجل… –سواء أكانوا من الناشطين أم لا ..
روح الإرهاب-لأسباب عدة تنتجها عملية تربوية منحرفة -هنا-ساكنة النفوس ..لا يهم –إذا التمييز..!
وفي تلك اللحظات تكون تصريحات سياسيين، او من المحللين التابعين لهم، يجهدون ليبرروا هذا السلوك لديهم، ويتهموا الغير بالممارسات الإرهابية في حالات شبيهة او أقل إرهابا –ربما.
ماذا نسمي هذا؟ هل هو ذكاء أم غباء. ؟!
وإذا حلنا أسباب هذه الأفعال، والقائمين بها؛ لن نجد سوى سياسات. سياسيين.
ذوي غايات سلطوية. سواء أكانوا في موقع سلطوي فعلا، أم كانوا طامعين في موقع سلطوي.
لنتذكر ما فعل هتلر. صدام حسين. موسوليني. الصرب مع المسلمين…البيض مع الهنود الحمر. وتجارة الرقيق. والحكام في البلدان المستبدة كيف يسلبون المواطن كل كيانه؛ بدءا من حريته الشخصية في العيش والتعبير، ومرورا بالتصرف في حقوقه المادية، منذ الضرائب التي يجبونها ظلما منه، والتصرف بأموال الدولة التي هي أموال الوطن ومواطنيه. ولا ترمش لهم عين. لقد تجردوا من كل ما يمكن تسميته بالإنسانية. وفي علم الأخلاق أصبحوا في مرتبة عديمي الضمير.
مع ذلك فحديثهم صباح مساء عن القيم. الحرية. الكرامة. الوعي. الأخلاق…الخ.
ولعله من الاتجاه المرغوب فيه هو: إيجاد محاكمات دولية يمكنها متابعة التحقيق في داخل البلدان، كما في حصل في محاكمة الصرب الذين قتلوا الآلاف من المسلمين – فقط توا يعترف برلمانهم بالجريمة النكراء-لا الإبادة ..- وفي السودان-دارفور والجنوب –كما نسمع من وسائل الإعلام، وفي بعض بلدان أفريقيا.. وفي أماكن أخرى.
ولكن هل ستنجو آلياتها من تأثير السياسيين؟
هل سلوك السياسيين هذا انفصام في الشخصية؟
أم هو فهلوة لا تخلو –في النهاية-من انفصام الشخصية.
مادام القول والفعل مختلفان ومتناقضان. ؟!
………………………………………………………………..
ملاحظة:
هذه المادة وغيرها ، المنقولة الى الموقع تحتاج مراجعة لأخذ العلم.