هكذا فهمت الإسلام*

هكذا فهمت الإسلام*
محمد قاسم(ابن الجزيرة)

نعاقب الإنسان في فكره و في سلوكه..أم نعاقب الفكر المجرد(من دون إنسان)..؟أم نعاقب (السلوك المتصور-الخيالي)..؟؟
بلا شك كل إنسان يعلم أن الكون تعمره كائنات مختلفة (حيوان- نبات- جماد..) وعلى رأسه الكائن البشري الذي يعمر الكون من خلال عقلنته(وعيه وتنظيمه-والعمل وفق غاية له.. في الأداء ، والشعور بالمشاركة الفعلية في تكوينه..الخ).
من هنا فإن أي خطأ يحدث في الكون فهو مسؤولية الكائن الإنساني أساسا….
صحيح أن هناك قوى طبيعية لا تزال خارج سيطرته (عواصف-أعاصير- تحديات في البحر وفي الأرض وفي السماء ولكن الكثير منها عولج من خلال تطور التقنية لصالح الإنسان- كوارث بيئية بدرجة عليا براكين..عواصف..إعصار..الخ).
والصحيح أيضا أن للإنسان يد في مدى هذه القوى وفعاليتها في التأثير سلبا أو إيجابا.
فمثلا، عندما يحسن الإنسان اختيار موقع مدينته يجنبه ذلك كثيرا من تأثيرات هذه القوى الطبيعية الخارجة عن السيطرة بتجنب تأثيراتها الضارة. وعندما يصرف جهدا في اكتشاف أسرار الطبيعة، فإنه يبتكر وسائل لمعالجة مشاكلها ومنها، توفير الأمن الغذائي وغيره.. وعندما ينشر الوعي عبر التعليم – والأهم عبر تربية مدروسة وفق قيم متعارف عليها (متفق عليها)- فإن ذلك يجنب بني البشر كثيرا من النظرة المتوجسة أو العدائية أو المتوترة غيرها..
إذا هناك قدر (مساحة) كبير من حرية الحركة(العمل) في يد الإنسان لتعامل صحيح (سليم) مع هذا الواقع (الطبيعة)بكل مكوناته الإيجابية والسلبية وفق ما يعود على البشر بالسلم والأمن وعلاقات مرنة متطورة ..وبالتالي فإن دور الإنسان(مسؤوليته) كبير في الحياة. ولعل هذا ما كانت تشير إليه الآية القرآنية (كل أولئك كان عنه مسؤولا)، وبالطبع هناك الكثير من الآيات الدالة على مسؤولية الإنسان عن ((الأمانة)) ((وحملها الإنسان وكان ظلوما جهولا)). وعند هذا المعنى أود أن أشير إلى فهم خاص – لي- لهذه الآيات –ولا أدري تماما إذا كنت موفقا فيه –
هذا الفهم يبنى على الدور التوجيهي والإرشادي للآيات، لا على حكم وتفويض كما يطبع ذلك النفس لدى بعض المفسرين(أغلبهم). فمثلا : إن تفسير هذه الآية والآيات مثلها، هو في وصف كون الإنسان غير كامل، وبالتالي عاجز أحيانا كثيرة في وعي مصلحته بسبب جهله ، ولكن هذا لا يعني أن إمكانية التطور غير موجودة لديه، ولا أن تجاوز الحالة إلى أقصى درجاته ممكنة ..ففي أماكن أخرى هناك آيات تشير بوضوح إلى مثل هذا المعنى.. الإنسان كائن قابل للتغير( للتطور) في كل اتجاه- شرا أو خيرا،علما أو جهلا،سلما أو حربا..الخ- وهذه الإمكانية تفتح له أبواب التطور إذا امتلك مفاتيحه(أسراره). وتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر
هذا قول منسوب إلى أفضل من يمثل الإسلام فهما ،استدلالا، وعلما فيه ،وعملا به، وهو: الخليفة الرابع :علي بن أبي طالب-كرم الله وجهه- بعد الرسول صلى الله عليه وسلم.
وفي هذا البيت معنى يشير إلى أن الإنسان (طاقة كبرى أكثر مما يظن). وقد أيد تطور العلم هذا.. إذ اخترق الإنسان بعلمه، أجواف البحار، وأعماق الأرض، وطبقات السحب والأفلاك ..(بل إن الإنسان لم يشغل من طاقة دماغه سوى10-6 %.كما يجزم به العلماء المختصون.أي أن أكثر 90% من طاقة الدماغ لديه لم تستخدم بعد. يقول سبحانه وتعالى: ((ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم)) لا أعتقد أن التقويم الحسن هنا يختص فقط بالشكل أو الجسم. بل إنه- كما أفهم- تقويم يشمل كل ما لدى الإنسان من مكونات، وطاقات.. نستشف منها دوما، المرونة، والقدرة على التغيير نحو الحسن، إذا اتبعت سنن الطبيعة، وفهمت أسرار التوجيه الإلهي (فالرسول الذي يمثله على الأرض ليس سوى بشير ونذير.((وما أرسلناك إلا بشيرا ونذيرا)) و((إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء)). نوع من النفي لقدرة الإنسان في التأثير من طرف واحد، بل ينبغي أن يكون التأثير من الطرفين،(الرسول”من الله” والمرسل إليه”البشر”). ولا يملك الرسول حسابا خارجا عن سنن الكون الطبيعية في العلاقات البشرية – سلما أو حربا- لذا فإن فهم الأمور (على طريقة سلب الإرادة البشرية، أو الحكم على الإنسان – دوما- بالقصور، وجعله في ظرف مسلوب الفهم واتخاذ اختياره إلا عبر وسطاء مثله ، ربما يفوقونه علما ولكنهم لا يفوقونه حقا بشريا مشتركا(إرادة –وعي-اختيار ..الخ)هذا الفهم هو فهم مختزل (فهم يصادر حق الآخرين المماثلين له). وهذا لا يعني البتة أنه كامل، ولا يحتاج للأخذ باليد بل يعني أن خاصية التغير والتطور عبر أسلوب مرن هو حق لا يمكن سلبه(فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) وأما الحساب فهو عند الله. لا يستطيع كائن بشري –أيا كان –تقرير المصير الإنساني عند الله،سوى الإشارة إلى معايير يحكم بها فعل الإنسان.وحتى المعايير نفسها غير دقيقة لوجود الظاهر والباطن في حياة الإنسان.فإن استطاع تحديد المعايير للسلوك الظاهري فأين له ذلك في السلوك الباطني-إذا جاز التعبير- إن معرفة سرائر القلوب هو الله وحده .وهو وحده يحكم الحكم الصحيح على مصير الكائن البشري،إن كان من أهل الجنة أو من أهل النار . وقصة الصحابي الذي قتل كافرا بعد الشهادة معروفة عندما قال إنه فعل ذلك تقية من الموت،فقال الرسول(ص)أو كنت في سره؟(او قلبه؟). ولم يرسل الله احدا وكيلا له –كما يتصرف البعض- ليمارس هذه الوكالة بتفويض إلهي،على الأقل في الشريعة الإسلامية..(إن أنا إلا بشر مثلكم يوحى إلي). ونحن نعلم جميعا بان الوحي انتهى باعتبار أن محمدا هو آخر الأنبياء(خاتم الرسل).
وما قول الرسول (العلماء ورثة الأنبياء) سوى إشعارهم بمسؤوليتهم تجاه إرشاد المجتمع في حدود ما حدد الله (وما أرسلناك إلا بشيرا ونذيرا) أي عمل نظري لا يتعدى إلى إهانة الناس، أو مصادرة حقوقهم في التفكير، واتخاذ القرار..وتحديد مصيرهم بأنفسهم مع ملاحظة أن بشيرا يسبق نذيرا في الموقع ضمن الآية. الحرية أساس صحة الاعتقاد، ولكل امرئ ما نوى، الإسلام يعتمد الظاهر لا التأويلات الذاتية واعتبارها أحكاما أو قرارات ..الخ.(الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى)حديث شريف.
يمكننا – بحسب تصوري أو فهمي- أن نعتبر الحياة دائرتان( أو شقان) إحداهما كبيرة، والثانية أصغر وضمن الأولى، بما يشبه في المنطق، الجنس والنوع(دائرة الحياة الدنيوية ضمن دائرة الحياة الأخروية) .
الحياة الآخرة هي جنس.. والحياة الدنيا هي نوع(جزء من الجنس) .
ولكل حياة منهما قوانينها، ولكنها مرتبطة بشكل أو بآخر مع قوانين الحياة الأخرى. نوع من التكامل بين قوانين النوعين من الحياة(الدنيا والآخرة). فمثلا إذا فهمنا بان ما ورد من توجيهات وتعليمات وأوامر في الدنيا فهي من الله، والغاية منها أن يستوعبها الإنسان بحسب طبيعته الإنسانية، ويؤمن بها بعد وعي لها، ويطبقها وفق ما يفهم-وبحسب قدراته. (ولا يحق لأحد أن يفرض فهمه على الآخرين لتطبيقه مهما كان) ما دامت اللغة التي ينطق البشر بها هي معيار الفهم في الحصيلة وهو ما يسمى ب(النص). وربما أمكن تفسير فهم ما سبق بالخاتمة التي كان العلماء القدماء من المسلمين يختمون بها شروحهم وتفسيراتهم..وهو ((والله أعلم بمراده)).
انظر جميع ما كتبه القدماء فستجده مختوما بهذه العبارة أو مثلها. وهي دلالة قاطعة على اعتراف بأنه(العالم) إنما يعكس فهمه الخاص، ولا يفرضه على الغير مادام هو نفسه يقر بأنه قد لا يوفق إلى المراد من الله.. ويهرب من مسؤولية إدعاء ذلك. فالفهم هنا-إذا – نسبي وليس مطلقا، ولا يدعي احد ذلك صراحة ، وإن كان البعض يطبقها واقعيا بدوافع نفسية، قد تكون غرورا بالعلم.. وقد تكون مصلحة .. وقد يكون شعورا بالحق.. ولكنه يبقى شعورا نفسيا لا يرقى إلى مرتبة اليقين0(حالة ذاتية في الفهم ).مع الاحترام الشديد للمقدرة العلمية والمعرفية التي يتمتع بها بعض العلماء الأجلاء،والذين يظلون صوى نهتدي بها إلى حد بعيد كورثة للأنبياء في الفهم والشرح والتفسير..!
هكذا فهمت الإسلام..!
فهمته دينا أنزله الله على عباده بفهم مرن.. يحتوي القدرات المتفاوتة للبشر.. ويؤجل حسابهم إلى يوم الآخرة.. حيث قوانينها الخاص أيضا، والحكم فيها هو الله وحده.
أي أن كل ما يوجد في الإسلام كدين منذ العقيدة وحتى العبادات والمعاملات تخضع لهذا المعنى. وفي الدنيا المعيار هو العقل،وقوانين العقل باعتباره أداة فهم مشترك بين البشر جميعا،يتفقون على أحكامه بتوفر المستوى العلمي، الذي يجعل الفهم كافيا لأسسه ،وضوابطه.. وهي ما يحصل بالدراسة والتحصيل، وهي المساحة التي يتحرك فيها الإنسان.بوعي يخضع للمقاييس المنطقية المشتركة بين البشر جميعا.فكما يقول احد الحكماء ربما كان المرحوم الدكتور أنطون مقدسي: على صعيد العقل يلتقي البشر.
ولا ينفي هذا دور القوى النفسية المؤازرة بهذا الشكل أو ذاك.ولكن العقل يبقى العنصر المحوري والحيوي في قضايا الفهم والاستيعاب وما يتعلق بها.
هكذا –على الأقل –أفهم إنا هذه القضية وليعذرني الله إن أخطأت(فالمجتهد مصيبا له أجران والمجتهد مخطئا له اجر واحد)معنى حديث للرسول صلى الله عليه وسلم.
…………………………………
هكذا فهمت الإسلام 2 /2
محمد قاسم
لم يدر بخلدي أنني سأكتب حلقة أخرى تحت هذا العنوان(هكذا فهمت الإسلام) على الرغم من أن المشروع في ذهني قديم وجديد وهو كتابة مجموعة أبحاث ومقالات ودراسات تحت هذا العنوان تصلح لتكون مادة لكتاب تحت العنوان نفسه يوما ما.
ولعل قراء موقع ثروة، أو بعضهم –على الأقل يعلمون أنني نشرت مقالا بهذا العنوان في موقع ثروة-سوريا إلى أين. وكان محور المقال هو أن لا احد يوجد وكيلا لله على الأرض، وإنما هم علماء ومرشدون وموجهون ..الخ- جزاهم الله خيرا عن العباد ما داموا ملتزمين بما انزله الله- وبالتالي فلا يحق لأحد أن ينصِّب نفسه –تحت أية ذريعة-حاكما من قبل الله، ينفذ أوامره كما يزعم البعض، مستثمرين قوله صلى الله عليه وسلم: ((العلماء ورثة الأنبياء)) ومن ثم أنتج هذا النمط من التفكير –أو الذريعة- سلوكا إرهابيا أقلق راحة الأبرياء..!!
ولعل قولا جميلا للعالم محمد سعيد النورسي-أعجوبة القرن العشرين-بحسب الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي- وهو كردي من كردستان تركيا، والملقب بين الكرد بـ ((ملايي مشور)). ويعني العالم المشهور. لعل قوله يفيد للتعبير عن هذا المعنى، إذ قال لتلاميذه :
((يجب أن تعلموا أنني مجرد دلال أنادي على بضاعة القرآن ومعجزاته الموجودة بين يدي الإنسان في كل عصر. إن من اكبر الخطأ اتخاذي مظهرا،أو قائدا لعمل هذه الرسالة،إن شخصي معرض دائما للتهم والنقد والهجوم والإيذاء،وفي ذلك ما يضعف من قيمة رسالة النور نفسها عندما تقرن بي على أنني الموجد لها، والمبدع لحقيقتها. لا تربطوا بين رسالة النور بشخصي الفاني لئلا تضروها بذلك،ولكن اربطوها بمنبعها الأصيل،فهو بعيد عن أي تناول)). [i]
لنقارن بين رؤية هذا العبقري شديد الإيمان وقوي العقيدة، يضحي بحياته وراحته وما يمكن أن يحصل عليه من ملذات الدنيا في أعظم صورها،ويحبذ السجون والمعاناة في سبيل دعوته.. ويواجه طاغ عات ربما هو من أعتى الطغاة،وهو كمال أتاتورك الذي قوّض صرح الخلافة العثمانية الإسلامية لحساب نظام سماه علمانيا لا يزال استبداده فيه متمثلا في موقف الجيش التركي من كل تطور خلاف ما رسمه في دستوره الذي يسعى النظام الحاكم الآن-حزب العدالة والتنمية برئاسة طيب رجب اردوغان،رئيس الوزراء الحالي ورئيس حزب عبد الله غول –رئيس تركيا الجديد- أن يعدل فيه بما يتناسب مع تطور العصر وحرية المعتقد -انظر كتاب من الفكر والقلب-
وبين هؤلاء الذين نصّبوا من أنفسهم وكلاء للرب يحكمون البشر بفتاوى يستغلونها لاستقطاب المغررين بهم إلى ساحات لا تتوافق مع ما انزله الله في شيء سوى استغلال المعاني التي تنطوي عليها بعض الآيات التي تفسر وفق الهوى-معاذ الله- وهم يزجون الناس في النيران الملتهبة فيما هم يتنعمون بحياة رغيدة في بلاد المهاجر أو تلك التي تحكمها أنظمة ذات مصلحة في مثل هذا التفكير والعمل، فيلجؤون إليها لحماية أنفسهم من لظى النيران الذي يدفعون الناس إليها..! في حلف مكتوب أو غير مكتوب مع هذه الأنظمة يتبادلون المنافع على حساب دماء الأبرياء وحياتهم ومعيشتهم…الخ.
ونحن نعلم ان الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتقدم جيوشه عندما يقاتل ،فيما هؤلاء يختبئون في الأقبية وفي المنافي ويدفعون الآخرين إلى الهلاك المحتوم تحت عناوين مختلفة يحسنون صياغتها وزرعها في نفوس وأذهان البسطاء من الناس-وقود الظالمين دوما في شرقنا المنكوب..!!.
ولقد وجدت-بعد عرض ما سبق- أن محورا آخر ينبغي أن يُبحث للإضاءة عليه،بسب الإشكالية التي يفرزها في ذهنية الكثيرين من الأبرياء أيضا،لأن غير الأبرياء –ولا نقول الخبثاء- يعرفون ما يفعلونه عامدين متعمدين،ولهم أهدافهم التي من اجلها يفعلونه..
هذا المحور هو: حصر الدين الكوني (العالمي) في بوتقة أو إطار قومي محدود. بحجج فيها فذلكة لا منطقية، وبدوافع مختلفة، ظاهرها : الحرص القومي، ومرماها المصلحة السياسية-الذاتية- وربما أشياء أخرى أيضا.
فمن المعلوم إن الدين الإسلامي سماوي-وفق عقيدة المؤمنين به – نزل من عند الله، وكان الواسطة، ملاك –جبريل- ينقل الوحي إلى كائن بشري، هو الرسول محمد صلى الله عليه وسلم،والذي كانت أمه تأكل القديد -كما يقول عن نفسه- عندما هابه احد الأعراب فقال له: (هوّن عليك يا أخي،إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد(اللحم المجفف).
وقد وردت آيات كثيرة حول الخاصة البشرية للرسول ومنها قوله تعالى ((إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي)).
أما ما نريد قوله في هذا المقال فهو أن الدين السماوي الكوني أشمل من أن يكون خاصة لقوم معين، أو جماعة معينة- كما يحاول البعض من القوميين العروبيين، ومنهم، ميشيل عفلق ومدرسته، أن يصوروه على اعتبار التميز العربي كقبيلة -أو شعب- قد أهّلها لتحمل المسؤولية المميزة لهم عن غيرهم، فهم إذا، الأفضل بين الناس عبر ليّ عنق الآية الكريمة ((كنتم خير امة أخرجت للناس..)) وتجييرها كتفسير لاعتبار الأمة هنا هي الأمة العربية –وهذه لعبة خطرة وخبيثة أيضا – وقد أنتجت أيديولوجيا سادت بين الاتجاه العروبي المتشدد-أو المتطرف- ضمن سياق القومية العربية- بخصائصها الطبيعية كما هي عند كل قومية على وجه الأرض- و تكرست –للأسف- كثقافة مطواعة لهم في التلاعب بالحقائق وبالناس أيضا.
ويلاحظ أن أغلب حملة هذه النظريات إنما هم: إما من عرب غير مسلمين،ومنهم ميشيل عفلق هذا وصحبه، وإما من طوائف وأقليات دينية…تسلقت هذا الاتجاه لأغراض سياسية تحت ستار ديني – وهنا الخطر على تشويه الدين بخاصته النقية(كما انزله الله) والقومية بخاصتها النقية (كما خلقها الله) معا،أي أنهم يضربون عصفورين بحجر واحد –كما يقال عادة-..!
هؤلاء يمكن تسميتهم-او وصفهم بالساسة المعممين-
ولقد لحظت ما قد يؤدي إلى إشكالية مثلها عند السيد حسن نصر الله عندما خاطب قومه-الشيعة-((يا أكرم الناس، ويا أفضل الناس، يا أحسن الناس ..)) [ii]
إنها عبارات توحي بتعال لا ينسجم مع الروح الإسلامية التي يعبر عنها قول محمد صلى الله عليه وسلم((الناس سواسية كأسنان المشط)).
لقد استغربت من هذا الوصف الذي قد يبرر في عالم السياسة-بغض النظر عن مصداقيته- لهدف سياسي، ولكن كيف يبرر في عالم الدين، ومن عالم دين- وإن كان سياسيا-..؟
فعلماء الدين الإسلامي جميعا يعرفون قبل غيرهم بان ((لا فضل لعربي على أعجمي،ولا لأبيض على اسود، إلا بالتقوى)). وليس التقوى فقط هو الدفاع عن النفس تجاه عدو غير مسلم،بل التقوى –كما افهمه-هو سلوك جامع في بني البشر –المسلمين- يبدأ بالإيمان الذي يبني مرتكزا نفسيا عميقا لإسلام يجمع بين الأرض والسماء في صلة وثيقة قوامها تعامل مع الناس على قاعدة : ((…إن لم يكن أخا لك في الدين فهو نظير لك في الخلق)) أو كما قال- حديث شريف
وعلماء الدين جميعا،يعلمون أنه: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)) وهذا الحديث الشريف ذاته يريد أن يقول: لا يحق لأحد أن يحكم على الناس حكما قطعيا، لأنه ليس مطلعا على نواياهم ولا يمكنه ذلك. لذا فقد اعتمدت الشريعة، الظاهر فقط، في الحكم، فيما تكل الباطن إلى الله سبحانه وتعالى..
والسؤال: فكيف سمح السيد حسن نصر الله لنفسه بهذا التوصيف المتعالي باسم الدين–مع كل التقدير لخصائصه القيادية في بني قومه- ؟!
وبالعودة إلى القوميين (العروبيين) فقد فلسفوا- لتبرير مواقفهم- بعبارات إنشائية أدبية لا صلة لها بالمنطق والمعقولية كما ورد في: كتاب علم الاجتماع العربي(السياسة)ط1983/ 1984 دمشق/سوريا:
((أما القومية العربية فهي بريئة من كل شائبة عنصرية، إنها تقوم على أساس من التجانس الفكري لا التجانس العرقي أو الدموي..)).
لقد كان حريا بهم، القول: إن الأمة الإسلامية هي التي يجمع بين أفرادها عقيدة الإسلام وفكره، وينسحب ذلك على كل القوميات والأجناس والأعراق ((كلكم لآدم وآدم خلق من تراب))..! ما أعظم هذا التعبير دلالة على سواسية الناس واقعا ودينيا..!! وإن كلمة التراب هنا، لعظيم الدلالة على هذا المعنى..!!
بالتأمل في مضمون ما ورد في كتاب علم الاجتماع السياسي هذا، يبدو بوضوح لا لبس فيه محاولته وسعيهم، أن يزاوجوا بين الخاصة الإسلامية والخاصة القومية؛ بأسلوب مغالط، لا يخلو من تلاعب منهجي بالحقائق، لخدمة أيديولوجية لا تثبت أمام الواقع، ولا تؤيدها الشواهد الإسلامية، بدءا من مضمون القرآن الكريم، ومرورا بشروح وتفاسير الرسول له،عبر السنة الشريفة، وانتهاء بفهم الصحابة المفسرين للدين الإسلامي…فها هو ذا عمر بن الخطاب يقول: ((نحن قوم أعزنا الله بالإسلام)) وليس العكس، مع مراعاة أن العرب –باعتبارهم أول حملة للدعوة الإسلامية كان لهم فضل السبق في بداية نشره، ولكن السبق لا يعطي حقا أبديا ما لم يكن مقترنا بحمل الأمانة باستمرار أبدي مواز، ووفق المعايير التي نزل بها الإسلام، وطلب العمل بموجبها في التعامل والتفاعل-وهذا ما لم يحدث منذ سُيّس الإسلام لمصالح الزعماء –وهم هنا العرب ماضيا-العرب والموالي…- وحاضرا-اضطهاد غير العروبيين ..-.
وها هو الرسول نفسه يقول لصحابي- عيّر صحابيا آخر بسواده- ربما كان بلالا -:((إنك امرؤ فيك جاهلية)). فلا يقر قرار لهذا الصحابي حتى يستعفي الصحابي المعيّر من موقفه هذا واضعا خده على الأرض، طالبا منه بان يطأه تكفيرا له عن تطاوله أو تعاليه.
ويقول عمر بن الخطاب-الخليفة الثاني لرسول الله- قولته المشهورة والمعبرة،والتي أصبحت البند الأول في ميثاق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وهي: ((متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا..؟!)).
هذا الاتجاه-أو التيار العروبي- كأنما يملك قرار تشكيل المعاني كما يشاء. وبالتالي فما يقوله فهو صحيح.. !. في الحقيقة هذا منطق فيه غرابة ..!
يعرف السيد سيد قطب معنى الأمة-في كتابه هذا الدين- بالقول:
((والأمة هي المجموعة من الناس تربط بينها آصرة العقيدة وهي جنسيتها …والآصرة فكرة تعمر القلب والعقل، وتصور يفسر الوجود والحياة، ويرتبط بالله.
وقال الله للمؤمنين في كل أرض وفي كل جيل،من كل جنس ولون،ومن كل فريق وقبيل،على مدار القرون ،من لدن نوح عليه السلام،إلى محمد عليه الصلاة والسلام..وإلى آخر الزمان:
((إن هذه أمتكم أمة واحدة،وأنا ربكم فاعبدون)) -الأنبياء 92-
وإنما أوردت هذا الموقف، لأنه صادر عن موقف إسلامي –بغض النظر عن واقعه السياسي-
كما أن سياق الآية (وأنا ربكم) يشير إلى خطل تفسير الأمة بأنها الأمة العربية في هذا الخطاب. فهل الله فقط رب العرب؟ ((إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون)).
وهل العرب-أو العروبيون- وحدهم،المكلفون بالعبادة؟!.
وهل هؤلاء العروبيون بالذات، فعلا يلتزمون بعبادة الله بمقتضى هذه الآية؟
ألم يتبنوا عقيدة ماركس في الفكر والسياسة-تحت تسميات مختلفة منها الاشتراكية..- وحظروا الكتب الدينية الإسلامية من –حتى مكتبات المدارس- في حين كانت كتب الماركسية تملأ المكتبات والمنازل قبل أن ترمى أغلبها بعد حركة البيرسترويكا التي قام بها الزعيم السوفييتي غورباتشيف؟! [iii]
ونحن لا نعني -بهذه المحاولة- التقليل من شأن العرب. فهم قومية –امة-كغيرهم من البشر لهم ما لهم، وعليهم ما عليهم، في سياق الصيرورة الحياتية على مستوى الكون منذ بدء الخليقة وحتى نهايتها،ولهم مساهمتهم في تطور الحياة وخاصة في سياق كونهم من حملة الرسالة الإسلامية الأولى،وقادوا سياسيا الدولة الإسلامية قرونا عبر الخلافة الأموية والعباسية..
ولكننا نحاول تصحيح مغالطات نسجتها أدمغة أرادت مصادرة كل المفاهيم؛ لتسخيرها لمصالح سياسية،وإن اضطرها ذلك إلى التضحية بقيم أصيلة، وتعاليم نبيلة ومستديمة..!!
فمثل هذا النمط من الناس رهنوا أنفسهم-أو ارتهنوا- لفلسفة الملذات الجسدية على حساب متعة الروح النقية والراقية والبانية أيضا..وألبسوا ارتهانهم هذا ثوبا فكريا براقا يستهوي أفئدة المبتدئين والقاصرين-علما ووعيا وإرادة… وشعورا بالمسؤولية تجاه عمارة الكون، والتي هي مسؤولية بشرية عامة ودائمة كما تقول الآية الكريمة ((إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا)).
أو كما يقول الرسول : ((كلكم راع وكل راع مسؤول عن رعيته…)). [iv]
ليس الإنسان –كائنا من كان-معفى من مسؤوليته تجاه الحياة –منطقا ودينا-
لا يحق لإنسان –كائنا من كان- أن يشرع مبادئ استنادا إلى مشاعره الخاصة –الذاتية-أو مصالحه الخاصة الذاتية-مهما كانت- فتميز بين هذا الفرد او ذاك ،بين هذه القومية أو تلك..ما لم تكن هناك معايير متفق عليها منسجمة مع طبيعة التكوين البشري الأساسي والطبيعي..
لذا فإن الإضاءة على المفاهيم والقواعد والسلوكيات ..كانت مهمة في عاتق الإنسان بما ملك من وعي حمّله الأمانة-المسؤولية-
والفارق الوحيد –كما هو معلوم للجميع-بين الحيوان والإنسان. أن الأخير مسؤول بحكم كونه عاقلا، يفهم، يتدبر، يحلل، يقرر، ويستطيع التنفيذ، واعيا لما ينفذ.وأساس التفاضل بين إنسان وآخر أو بين قوم وآخر-على الأقل في منظور الإسلام- هو ما استطاعه هذا الإنسان-أو القوم- أن يتقن فيه التزاما وهدفا.-وهو المقصودة بالتقوى في إيجاز- طبعا عندما يكون ممتلكا لحرية قراره –أي مريدا- وهذه الخاصة هي التي تميز الفعل البشري عن الفعل الحيواني-الحرية – .!
تلك الخاصة-الحرية- التي يجهد البشر -منذ فجر التاريخ- لكي يحوزوها في أحسن صورها .. ولكن هؤلاء القوم الذين حرموا –بشكل أو بآخر –الحرية في كينونتهم-كما يبدو- يريدون أن يحرموا الآخرين منها ليتساووا معا تحت تأثير رغبة نفسية- نتيجة شعور بمستوىً هم فيه- هي الشعور بالتكافؤ اوالتساوي مع الآخرين –على ما يبدو
منشور في موقع ثروة-إلى أين سوريا بتاريخ: 14 سبتمبر 2007
• المقال منشور في موقع ثروة – سوريا إلى أين في July 22, 2007
[i] -د.محمد سعيد رمضان البوطي-من الفكر والقلب (فصول من النقد في العلوم والاجتماع والآداب)-طبعة خاصة –مكتبة الفارابي-دمشق-ص 265
[ii] -في إحدى خطاباته إلى جمهوره –ربما في ذكرى الشهيد موسى الصدر في البقاع
[iii] م.س.غورباتشيوف –بحسب كتابة اسمه على غلاف كتابه –هو الأمين العام للحزب الشيوعي السوفييتي،ورئيس الاتحاد السوفييتي قبيل انهياره،ومتهم بمساهمته في هذا الانهيار من قبل بعض الأحزاب الشيوعية. فعندما تبنى مفهوم البيرسترويكا،واصدر كتابا بهذا الاسم عام 1988 وأعيد طبعه عدة مرات، عرض فيه رؤيته للبيريسترويكا،والتي تعني (( بيريستويكا هي الكلمة الروسية التي تطوف اليوم العالم اجمع،حتى دخلت قواميس اللغات.وهذه اللفظة تعني حرفيا إعادة البناء.غير أن هذا المعنى ليس كاملا،إذ أن البيرسترويكا….لا تعني فقط إعادة بناء،بل عملية تجديد أيضا متعددة الجوانب والأهداف…..المترجم)).من هامش ص 6 من الكتاب.
[iv] -لم نوثق الأحاديث والآيات لشهرتها

……………………………………………………………………………………
المقال نشر في عدة مواقع ومنتديات منها ولا تي مه .
……………………………………………………………………………………..
كيف فهمت الإسلام..؟
أو هكذا فهمت الإسلام..!
كان محمد صبيا صغيرا ربي في بني سعدة جريا مع التقاليد حينها..وربته حليمة السعدية ..وانتقل الى مكة ليعاني من يتم باكر .ومن ثم نمو بريء خال من الخطايا فقد كان يعد ليكون نبيا..ورسولا..
ببساطة هكذا..لم يضرب أحدا ولم يطمع أبدا وعاش متواضعا ورحيما عفا عن بني قريش عندما دخل مكة فاتحا بالرغم مما عاناه منهم..وكان يلتمس العذر للمخطئين.. ويهوّن على الخائفين، وعندما مات لم يكن في بيته سوى بعض شعير في رف في منزله بحسب عائشة..كان لا يقاطع حديث متكلم معه..ويتحمل الزمن والتعب من اجل السماع الى شكوى امرأة عجوز..ويسامح إعرابيا على بوله في فناء المسجد..بل حتى آكلة كبد عمه الحمزة –ميسون- تنال عفوه..
الإسلام يجبّ ما قبله..والإسلام دين الرحمة..ودين الوفاء ودين الإنسانية..إن لم يكن كذلك المسلمون؛ فهم ليسوا متمثلين للإسلام وان أطلقوا اللحى ولبسوا العمائم والجبب..وفق معاير وضوابط الإسلام نفسه..”هم من جلدتكم ويتكلمون بلغتكم ويصلون صلاتكم تعرف منهم وتنكرهم” الحديث.
ولا بأس أن نستشهد بقول مفكر غير مسلم-مسيحي- عن رجل الدين:” رجل الدين الغبي الجاهل يثير أحقادنا،ورجل الدين الشرير والرديء يولد الجزع في نفوسنا، أما الناضج المتسامح والبعيد عن الخرافات فهو الجدير بحبنا واحترامنا” فولتسير.
لم يكن الإسلام فلسفة تعلو على الإفهام كما فهمته..بل هو دين البساطة والتواضع وتنقية النفس والروح..فمن لم ينجح في مدى كامل فيها لم يخرج من الإسلام؛ بل لم يكتمل إسلامه فحسب..واكتمال الإسلام ميزة لا يبلغها إلا قليل. ولكن لا يعني أن الذين لم يكتمل إسلامهم ليسوا مسلمين..!
الإسلام –ببساطة- مثله مثل غيره من أنشطة وقيم الحياة.. له بدايات متدرجة في النمو حتى الاكتمال..وكلما زاد تمثل المرء لمعانيه فهما وتحقيقا زاد قربه من روح الإسلام..من هنا ظهر مبدأ التصوّف لدى البعض بقصد التعمق في تمثل روح الإسلام وتنقية النفس من شوائب وأدران الحياة اليومية ضمن متطلباتها الباعثة –أحيانا-الى الوقوع في أخطاء..فقال الرسول مبينا:
“كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون”.
الخطأ قانون الهي في حياة البشر..وتجاوزه يكون بالتوبة..والتراجع عن الخطأ ..والتوبة بين المرء وخالقه..لا ولاية لأحد على احد في ذلك..فكل إنسان له الحقوق نفسها..والمسؤولية نفسها تجاه ما جنت يداه..
فقط هناك نظام اجتماعي؛ خلافة الرسول-وليس برسول- إنه فقط خليفة..نائب.. يمارس صلاحيات إدارية..للحفاظ على ما انزل به الله على رسوله..وفق ما أوضحه الرسول- أؤكد وفق ما أوضحه الرسول- سواء بالتوضيح المباشر لمعاني القرآن،أم بزيادة التوضيح عبر السنة النبوية-أقوال الرسول وأفعاله وما أقره الرسول من أقوال وأفعال الصحابة-..!
وهو بعد هذا كائن بشري –كما كان الرسول نفسه مع فارق..الرسول موحى إليه.. فالخبر المؤكد نسبته إليه لا شبهة فيه للمؤمن-توفر المصداقية- أما الخليفة فمجتهد في الفهم..ولكل من يعلم أكثر إمكانية أن يرد عليه..كما فعلت امرأة عندما ردت على عمر بشأن المهور فقال عمر: أخطأ عمر وأصابت امرأة” بل عن الرسول نفسه قال لصحابته: “أنتم بشؤون دنياكم منيط في حادثة زرع التمور وقطافها ورعاية شجرة النخيل..
ليس الإسلام وفق هذا الفهم سوى تنظيم واضح المعالم يعلمه أغلب الناس على الفطرة..ولكن تعقد عناصر الحياة فرض فهما جديدا لبعض قضايا اجتماعية وتعامل تتجدد مع التطور في الحياة.من هنا تتسرب الإساءات –المقصودة وغير المقصودة- الى الإسلام..عبر تفسيرات يتبناها البعض إما لقلة علم أو لانعدام مصداقية،أو استثمار مقدس يمرر عبره الكثير من أهواء النفس بتجلياتها المختلفة ومنها المصلحة المالية والسلطوية ..
………………………………………………………………………………………………………………………………………
الكرد والإسلام
(خصام أم وئام؟)*
ابن الجزيرة
كثيرا ما نشتكي من السيكولوجية العروبية باعتبارها انفعالية لا تراعي معايير المنطق والموضوعية في فهم الأمور وتحليلها، ومن ثم الحكم عليها، واتخاذ الموقف منها،وهي شكوى في محلها..!!
فماذا نقول عن حال السيكولوجية الكردية (أو الكردوية إذا جاز التعبير)..؟
بملاحظة كم غزير من كتابات – تختلف في سويتها التعبيرية ومستوى نضجها الفكري- دأبت على تبني ما يشبه عقيدة هي : ربما تقليد، أو رد فعل، أو أيديولوجيا، أو خواطر خاصة أو انطباعات خاصة أو..أو الخ.(وهي جميعا متكئة على مرتكزات نفسية”انفعالية” ).
ولعل أهم هذه الكتابات هي تلك التي تحاول تناول العلاقة بين الكرد والإسلام، ومن ضمنها الموقف السلبي من شخصيات ورموز كردية مسلمة تاريخية. من أهمها- ربما-السلطان المظفر صلاح الدين الأيوبي..رحمه الله.
ومن الملاحظ ان هذا النزوع اللاديني يظهر أكثر لدى بعض السياسيين(الحزبيين) ولدى بعض المثقفين باسم العصرنة(أو التقدم) وتكاد لدى البعض أن تشبه الموضة حتى. وكذلك يظهر لدى بعض الذين ينزعون إلى الفوضى و التفلت من الضوابط بشكل عام، والضوابط الدينية (الأخلاقية) تحت تأثير نوازع نفسية خاصة.أو تحت تأثير تربية خاصة لم تترافق مع مستوى علمي متوازن…
وليست المشكلة في شخص اعتقد أمرا ما،- وليكن الإلحاد مثلا – أو التوجه العلماني في التفكير(التأثر بتطور العلم في طبيعة الاعتقاد) ولا المشكلة في شخص باحث في قضايا العقائد والأديان.. ومن ثم اعتناق ما توصل إليه بحثه – أخطأ أم أصاب-..(فكما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: إذا اجتهد القاضي وأصاب فله أجران،وإذا اجتهد واخطأ فله أجر واحد).
أين المشكلة إذاً..؟
المشكلة في أولئك الذين يفتقرون إلى مستوى معقول من( الوعي المسؤول) ولا يحسنون تشخيص الأمور بناء على منهج علمي موضوعي، ولكن : *- إما أنهم يقلدون الغير..ويرون في التظاهر ببعض الآراء حالة عصرية (متقدمة). *- وإما أنهم ينطلقون من ردود الفعل تجاه حال الاضطهاد، التي تعرض الكرد لها، من إدارات سياسية، تعلن الإسلام منهجا لها(تركيا حزب العدالة والتنمية مثلا، إيران نظام الملالي مثلا، العراق موقف علماء المسلمين مثلا، سوريا موقف الإسلاميين عموما ..وفي الدول الإسلامية الأخرى، المواقف المترددة، أو الصامتة تجاه اضطهاد الكرد في البلاد التي يسكنونها – سواء في كردستان المقسمة إلى أربعة أجزاء. أو خارجها – كالأفغان والباكستانيين والاندونيسيين و الماليزيين إضافة إلى العرب..الخ
*- وإما أنهم ينطلقون من رد الفعل من سلوكيات متجاوزة من رموز إسلامية كردية على
الصعيد الداخلي..(سلوك بعض المشايخ و الملالي والحجاج ومن يزعمون الانتساب إلى الرسول تحت اسم السياد.. باختصار كل الذين يعرضون أنفسهم باسم الإسلام ولا يلتزمون منهجه بشكل كاف ومقنع قياسا إلى نهج الإسلام نفسه.
*- وإما أنهم يعتقدون أن البعد عن السلوك الإسلامي قد يوفر لهم تعاطفا غربيا(أوربيا أو
أمريكيا..) ويعتقدون ان سبب حرمان الكرد من تكوين دولة على غرار دول العرب أو
غيرها في المنطقة ..قد يكون موقف الغرب منهم إثر هزيمته أمام صلاح الدين الأيوبي، (إضافة إلى الخشية من الكرد كقوة في المنطقة قد لا تتوافق كثيرا مع مصالحه الاقتصادية. لما يتميز به الكرد من قابليات فردية واجتماعية عقليا وذكائيا، يمكن أن يساهم في تطور سريع لهم) ،والأمثلة ماثلة أمامهم عبر شخصية محمد علي باشا(الذي تؤكد بعض المصادر على أنه كردي الأصل ).وسابقا صلاح الدين الأيوبي وعائلته وغيرهم..فضلا عن أسماء شهيرة في ميدان الدين والعلم والسياسة..الخ.
*- أو غير ذلك من العوامل المحتملة والمؤثرة.
نحن هنا لا نناقش مسألة حقوق الناس فيما يعتقدونه، دينيا أو سياسيا أو غيره ذلك
فلكل فرد الحق في ممارسة حريته واعتناق ما يشاء ..وقد كفل هذا الحق جميع الشرائع الأرضية – المتفق عليها- والسماوية .. ولكننا نريد الإشارة إلى الحالات التي يتجاوز البعض فيها، حدود حريتهم، عندما يسيئون إلى مشاعر الآخرين (المتدينين) والمفروض أن اعتقادهم يندرج تحت حرية المعتقد التي يفترض أنهم يتمتعون بها مثل غيرهم.
نريد الإشارة إلى أولئك الذي يغلّبون اجتهادا تهم ويعتبرونها المصدر الذي يجب أن يُعتمد.. متجاوزين حقوق غيرهم في الاجتهاد مثلهم أو الاعتناق مثلهم- أي اعتناق كان-..(يعطون لأنفسهم حقوقا يمنعونها عن الآخرين، وهذا هو معنى الإجحاف تماما).
والملاحظ ان سلب الحرية في هذا الشأن يبرز أكثر لدى أصحاب الاتجاهات الأيديولوجية السياسية.. أو الذين يتعاملون مع السياسة.. من موقع المقلد لرؤسائهم.إضافة إلى بعض الذين يتمسحون بالثقافة وليس لهم دراية بمنهج الثقافة، المنطقي والعلمي أساسا(المنهج العلمي للبحث) .فضلا عن المنهج الأخلاقي..!
ومن هؤلاء: أحدهم-سبب هذه الكتابة- والذي أباح لنفسه ان يشتم المؤمنين وخاصة المسلمين منهم ،باعتباره ينتمي إلى الإسلام .وقد كتبت عن ذلك دون إشارة إلى اسمه وكتابته هذه تزين الصفحة الأولى من إحدى المواقع الكردية.ويبدو أنها شعار لا مقالة فحسب. كما يرد في خطابات سياسية(حزبية) بعض هذه الأفكار التي تحشد إرضاء للسلطة التي- باسم العلمانية.. والثورة..والعصرنة.. وغيرها- ضيقت الخناق – في مرحلة معينة- على المسلمين. ومن حسن الحظ أنها الآن متساهلة قليلا – ربما لتغير الظروف وتحت رؤية سياسية جديدة- ربما ، للحاجة لسبب ما، إلى رضا الإسلاميين أو المسلمين. .وهذا هو عيب السياسة العالمثالثية ومنها العربية(متغيرة مزاجيا بين حاكم وآخر،بين نظام وآخر”وهي أنظمة غير ديمقراطية في كل الأحوال” تتحكم فيها عوامل ذاتية وأيديولوجية- قد لا تكون صحيحة ولكنها تعامل بنوع من القدسية- وباسم هذه الأيديولوجيات الخاطئة على الأغلب تمارس مختلف الممارسات الخارجة عن المنطق والقانون والأخلاق..مع الشعوب والأفراد.وعلى الرغم من أنني لا أنكر ا، بعض الفرق الإسلامية تتبنى اتجاهات عنيفة لا تتوافق مع منهج الإسلام نفسه..ولكن ذلك لا يبرر أن تعمم صفاتها على كل المسلمين، فالإسلام – إضافة إلى أنه معتقد- هو ثقافة ومعاملة ونمط حياة بشكل أو بآخر.
والسؤال: لماذا هذا الأسلوب الذي هو – دوما – تعبير عن نقص في التفكير وفي وفهم معنى الديمقراطية التي ينادون بها صباح مساء..وفي الموقف منها أيضا؟!
المفاهيم الكلية (الرؤى المتكاملة ) لا تتجزء مزاجيا، وإنما يمكن ترتيب الأوليات أحيانا تحت ضغط ظروف معينة..
أما ان يعطي البعض لأنفسهم الحق في شتم الآخرين والتقليل من شأن معتقداتهم وتزييف الحقيقة باسم الحقيقة فذلك ما لا نتمناه لأحد أن يفعله..
*العنوان مستوحى من عنوان كتاب للصحفية المصرية من أصل كردي(درية عوني) وعنوانه (كرد وعرب خصام أم وئام)
……………………..يتبع
القسم الثاني- الكرد والإسلام (خصام أم وئام)*
والسؤال الذي يطرح نفسه هو:
كيف ينبغي أن تكون العلاقة بين الكرد والإسلام(المسلمين)؟
في البدء دعونا نتذكر أن تاريخ الكرد عبر أربعة عشر قرنا هو تاريخ إسلامي بحسناته وسيئاته، بما هو مرضٍ عنده أو غير ذلك.ولا يمكننا أن نخرج من جلدنا كشعب كردي مسلم لمجرد أخطاء حصلت، أو لأن البعض يتمنى ذلك.
الذي يتصدى لقضايا الشعوب والتاريخ والمعتقد …(تشخيص المجتمع وتغييره الكلي) عليه أن يكون ذا خبرة في ميدان علم الاجتماع.. والأنثربولوجيا.. والتاريخ أيضا، وذو خصائص مميزة في ميدان البحث والاستقصاء، إضافة إلى كل ما يتعلق بحياة الشعوب(نفسيا واجتماعيا وفلكلوريا وعقديا..الخ).وهؤلاء عادة يعرفون بالمصلحين والمفكرين والفلاسفة…!
أما أن يتبارى بعض الذين لا يمتلكون المؤهلات العلمية، والتي توفر لهم أسسا صحيحة لمعالجة قضايا حساسة في حياة مجتمعاتهم..فهم أخطر تأثيرا -من الناحية السلبية- من أعداء المجتمع،لأن المجتمعات تكون حذرة مما قد يدس لها من الأعداء، ولكنها تتقبل من ذوي القربى بدون فلترة الأفكار المطروحة(تصفيتها) من قبلهم.. باعتبارهم من عظام الرقبة وأصحاب الشأن،والمفروض أنهم غيارى على تاريخهم وحياتهم ومجرياتها وأطرها.
والمعروف أنه منذ القرن الثامن عشر الهجري دخل أول كردي في الإسلام(كابان) فنال شرف كونه صحابيا للرسول صلى الله عليه وسلم(تاريخ الكورد وكردستان-محمد أمين زكي بك)-ما لم يكن سلمان الفارسي نفسه كرديا- ومنذ ذاك التاريخ، فالكورد مسلمون في غالبيتهم- بغض النظر عن انحيازنا إلى هذا الانتماء،أم لا- فالمهم أن الانتماء الإسلامي للكورد قديم جدا..ويغلّب بعض الباحثين أنهم دخلوا الإسلام سلما أكثر مما هو حربا، وقد ساهم هذا في صياغة مميزة لحياتهم، وتاريخهم،وثقافتها-بسلبياتها وإيجابياتها- وانعكس ذلك على التكوين النفسي، والاجتماعي، والفلكلوري.. للشعب الكوردي لمدة أربعة عشر قرنا ، ولا يزال أول سلوك مع المولود الجديد لديهم، هو رفع الأذان في آذانهم..!( )
فكيف يظن البعض أن بعض مقالات –صحيحة أو خاطئة-ستغير التركيبة السيكولوجية والسوسيولوجية….لهذا المجتمع؟.والكورد معروفون بحفظهم لقيمهم بقوة.( )
وهناك البعض ممن يريدون أن يقيسوا تكوين الفرد الكوردي المسلم على حالته الشخصية، ومحاولة صياغته وفق هذه الحالة، وهذا تجاوز لأصول التربية المنهجية لقيم ومعتقدات نرغب أن نزرعها في المجتمع، كما أنه تجاوز للأسس الديمقراطية في التعامل مع رؤى وقناعات الآخرين..فضلا عن قصور السلوك عن المنهج العلمي في التصرف.لعدم مراعاة ما يسميه علم النفس “الفروق الفردية”.بل وتجاوز على الحقوق التي ينبغي أنها خاصة طبيعية لكل فرد(سألني أحد الضباط في الجيش عن نظرتي للحقوق.فقلت لن أنتظر أحدا يطلب حقوقه مني،بل سأحاول أن أبادر إلى إعطائه حقوقه ولو كانت سياسية…فضحك وقال:لماذا؟ قلت لأننا عانينا كثيرا من اغتصاب حقوقنا..!)
فرقٌ بين أن نكتب.. ونحاضر.. ونناقش قضايا للمساهمة في تغيير بعض القيم الاجتماعية عبر حيوية الحالة الثقافية المتدرجة،ومقتضيات التطور الاجتماعي، في اقتران مع.. أو تأثر ب(التطور التكنولوجي) وبين أن نحاول تغيير( نهج حياتي كامل للمجتمع الكردي)كأن ننقله من شعب مسلم إلى شعب ملحد، أو ديانة أخرى يريد البعض إحياءها(كالزردشتية أو الإيزيدية…أو غيرهما).
– ففي الحالة الأولى(الكتابة والمحاضرات..) يمارس فيها كل شخص قناعاته.. عبر التعبير الفردي عنها، وعبر عرضها على الآخرين للتفاعل معها ، وربما قبولها..وهذا حق له، لا ينازعه فيه أحد، مادامت القيم الأدبية.. والأخلاقية.. والمنطقية.. هي معيار مسعاه هذا. – أما في الحالة الثانية(محاولة تغير منهج حياتي كامل للمجتمع) فهو ممارسة سلوك وصائي –وربما بأسلوب فيه بعض إرهاب- وسلوك استخفافي بقيم ومعتقدات مجتمع عبر قرون طويلة من الزمن(سلوك انقلابي)،ومحاولة تغيير قسري لها، بما يتوافق ما نراه نحن من معتقد- مهما كان.( نهج استبدادي). وطبعا هذا تجاوز للحق الفردي إلى منطق وصائي(حزبي،حكومي،انقلابي،ثوروي..) لا يتمتع بالاستحقاق القانوني والأخلاقي والمنطقي..،وقد سئمته الشعوب التي ابتليت به،وتخلت شعوب عنها بابتهاج(المنظومة الاشتراكية عموما) ودون تجاهل ما يمكن الاستفادة منه كتجربة .
نقول للفئة الثانية :إذا أردتم أن تعبروا عن آرائكم فلكم الحق فيها، وإذا رغبتم في دعوة الآخرين إلى ما تقنعون به عبر الوسائل الديمقراطية، أيضا لكم الحق فيها،أما سعيكم لفرض قناعاتكم هذه بوسائل غير مشروعة، كاستغلال القوة والمال واتباع أساليب فيها إرهاب (الشتيمة-الهزء والسخرية-العنف…) وما شابه لتحقيق هذا التأثير، فإنكم تقللون بذلك من احترامكم لأنفسكم قبل غيركم،عندما تقررون قيما لا احترام فيها للرأي والتعبير ..وبناء على تفكيركم سلوككم أنتم…!!
فالقيم البشرية ليست فردية بل هي عامة(مفاهيم) ومشتركة، جمعية، تشكل ضوابط وأطرا.. ينضبط بها السلوك البشري.وهي التي تكون مجموعة الضوابط الأخلاقية والعرفية والقانونية والدينية والتربوية…
حري بالمرء –إذا- أن يفكر.. ويقول..ويتصرف.. بشعور عال بالمسؤولية تجاه فكره وقوله وتصرفه. فكل سوء في هذه الحالات يعني انعكاسا سيئا على الحياة،على الكون،على المجتمع البشري،على المجتمعات المتماسة مع هذا السوء مباشرة خاصة.
* العنوان مستوحى من عنوان كتاب للصحفية المصرية من أصل كردي(درية عوني) وعنوانه (كرد وعرب خصام أم وئام)

………………..يتبع

عندما يولد مولود جديد يضع أحدهم فمه على أذن المولود ويؤذن(الله أكبر الله أكبر..)ليكون سماع الأذان أول ما يدخل سمعه.
كان المرحوم(نواف باشا العواصي-أحد إقطاعيي منطقة ديرك(المالكية))يردد دائما بأن الكورد سيحصلون على حقوقهم.فقيل :ولماذا؟ قال:لأنهم – بعد أربعة عشر قرنا- عندما يقتلون أفعى،يقولون هذا ثأر أبي بكر الصديق (الخليفة الأول،لأن أفعى لدغته في غار ثور الذي كان هو والرسول (ص) مختبئان فيه في طريق هجرتهما من مكة إلى المدينة).
………………………………………….

• القسم الثالث
-الكرد والإسلام (خصام أو وئام)*
في القسمين السابقين كنا نسلط الضوء على بعض القيم الأدبية والأخلاقية والمنطقية ..والتي ينبغي أن تنضبط بها أساليب التعبير قولا أو كتابة أو تصرفا(سلوكا). فمن أركان القيمة الأساسية للإنسان هو وعيه لهذه القيم-معرفة وعلما- والعمل بمقتضاها- إيمانا وسلوكا –خاصة في القضايا الحوارية –الحساسة بشكل اخص-(وعلى الرغم مم فيه من مثالية، يعجبني قول المهاتما غاندي ((كنت أرفض دائما أن أعمل في السر عملا أخجل من أن آتيه جهرا)).
فالحياة بمجملها :عيش في واقع. منه نكتسب التجربة، ومنه ننطلق إلى مستوى أفضل من العيش بل والتعايش أيضا-باعتبار الإنسان كائن اجتماعي(أو مدني،سياسي –بلغة أرسطو)
وحاولنا أن يكون ذلك مدخلا إلى مناقشة البعض في تناولهم العلاقة الكردية بالدين الإسلامي بصورة فيها تجاوز للأعراف الأدبية والمنطقية والأخلاقية في هذا التناول تحت تأثيرات مختلفة عددنا بعضها. كما حاولنا أن نشير بعجالة إلى العلاقة بين الكورد والإسلام،مشيرين إلى أن الإسلام دين الكورد منذ بداياته،سواء اعتبر البعض دخولهم الإسلام كرها أو طوعا،واشرنا إلى إن البعض من الباحثين غلّب فكرة أن قبولهم الإسلام كان طوعا أكثر منه كرها،ولذا فمنذ العام الثامن عشر هجري، كان الصحابي كابان مسلما –بحسب محمد أمين زكي بك-في كتابه :تاريخ الكورد وكردستان. مع احتمال أن يكون المسمى سلمان الفارسي هو نفسه كرديا.وخدم الكورد الإسلام عبر قادة عسكريين،وعلماء لغة ونحو وشعر وتاريخ وغيرها.-أشرنا إلى بعض الأسماء-ولا نريد تكرارها.
وفي هذا المشوار نريد أن نلقي بعض الضوء على أحداث ووقائع، تعبر عن صلة الكورد بالإسلام ومدى تفانيهم من اجل قناعتهم الإسلامية،وانعكاس ذلك في مفاصل حياتهم الأساسية،مع العلم أن التطرف الديني الذي يؤدي إلى القتل كما تفعل الجماعات الإرهابية باسم الإسلام،كان غريبا -ولا يزال- عن إسلام الكورد،أو الكورد المسلمين-ربما ينبغي إجراء دراسات وأبحاث حول هذا الأمر وأسبابه-ولكن يمكن الاستناد إلى رأي باحث عربي هو:د.شاكر خصباك القائل في ص486 سطر 4 من كتابه المعنون ب(الأكراد دراسة جغرافية أثنو غرافية): ((…كذلك جعل ميلهم هذا متسامحين جدا مع اصحاب الأديان والعقائد الأخرى. وهم بذلك يمثلون تلك الجماعات البشرية التي لا يسوقها إيمانها الديني إلى التعصب، وهنا لابد أن نؤكد أن المذابح التي جرت للمسيحيين ولا سيما الآثوريين(×)منهم،على يد الأكراد، كانت وراءها أسباب سياسية واقتصادية،ولم تكن نتيجة للتعصب الديني كما أذاع كثير من الكتاب الغربيين. وقد دافع بعض الكتاب المحايدين عن الأكراد ونفوا عنهم صفة التعصب الديني نفيا قاطعا كما فعل زيمينيه ximeneze leb.)).
ويروي حكايات وأحاديث بهذالخصوص يمكن لمن شاء الرجوع إليها.
ولن نكثر من ذكر هذه الأحداث والوقائع،لأن الغاية هي: فقط بيان حقيقتها.. وليس الدخول في تفاصيلها.
-يذكر توماس بوا في كتابه: تاريخ الأكراد-ترجمة محمد تيسير ميرخان-دار الفكر بيروت لبنا ن – ط 1-ص123 سطر 5: ((حياة الكردي اليومية هي إسلامية محضة، ويبدو ذلك واضحا بمجرد أن يفتح فمه سواء بالترحيب أو بتعابير التمنيات ، فهي دائما مليئة بذكر الله،إما بالعربية (الله) أو بالكردية xwdê)).ومثلين يمكن أن يحملا المعنى السامي النبيل للإيمان المطلق بالعناية الإلهية : ((الله يهيء بناء العش من أجل الطائر الأعمى- الله يوفر لنا الطعام من أجل إكرام الضيف…)).
{وكفقرة اعتراضية أعجبني أن أذكر الفقرة التالية المتعلق باللغة الكردية ص150:
((هذا الفصل ربما يدهش بعض القراء الذين لم يروا كتابا كرديا فحسب، بل ستزداد دهشتهم إذا ما تبينوا وجود ذلك الكتاب، فهم إذا على جانب كبير من الخطأ الفادح….يتكلم الأكرادلغة هندو-أوروبية تتصل بالفارسية الحديثة التي يجب أن يلتبس معها ما يتعلق بمفردات اللغة، وضوح اللفظ،وتركيب الجملة…..بما أن اللغة العربية هي لغة سامية، لاتفي بمتطلبات اللغات التي تستعملها الشعوب الإسلامية الأخرى…..لذا لجأ المفكرون الأكراد وبصورة خاصة أمراء بدرخان ….وأقدموا على اعتماد الأحرف اللاتينية….))}.
-من (كتاب كردستان إيران-د.عبد الرحمن قاسملو-ط 1تشرين الأول 1999-ترجمة :غزال يشيل أوغلو.ص 21) :
((يعتنق نسبة (98%) من سكان كردستان إيران-وهذا ينطبق على كردستان كلها تقريبا–الكاتب-
-من (كتاب عرب وأكراد خصام أم وئام-درية عوني – دار الهلال-ص 28):
((..وقد انتشر الإسلام على يد خالد بن الوليد وعياض بن غنيم الصحابيين الشهيرين …. في (18هجري أو 640م )…. ومنذ ذلك الوقت والغالبية العظمى من الأكراد مسلمون على المذهب السني الشافعي….)).
وهذا التاريخ نفسه يشير إليه العلامة محمد أمين زكي بك في تاريخ الكرد وكردستان.
المهم في الأمر كله، اتفاق العديد من الباحثين على بداية الإسلام الكردي- وبغض النظر عن أي اعتبار آخر-وهذا يعني أن الكرد –كما يقول توماس بوا-((حياة الكردي اليومية إسلامية محضة)). وهذا الواقع يفترض أن يراعى عند أية خطوة تتخذ لتطوير المجتمع الكردي بأي اتجاه آخر.ومعلوم –نفسيا واجتماعيا- بل وأكدت تجارب الانقلابات والخطوات الثورية هذه الحقيقة وهي أن الانتقال الإنقلابي يهز استقرار وأمن وسلامة الشعوب.فهلا انتبه بعض دعاة التجديد الديني المعاصرين،باتجاهات غريبة عن الحال الإسلامية. إلى خطورة ما يفعلون-إن كانوا حريصين فعلا على تطوير سليم لمجتمعهم الكردي؟
ونختم بالإشارة على دور صلاح الدين وأسته في التاريخ الإسلامي،كما نشير إلى أن اولى الثورات القومية الكردية في القرن العشرين،كانت على يد عماء دين ومشايخ(عبيد الله النهري-سعسد بيران-محمود الحفيد-البارزانيون وعلى رأسهم الملا مصطفى البارزاني” الأب الروحي للنهضة القومية الكردية المعاصرة” ولا نتمنى أن يحوله المستغلون من الكرد (السياسيون)إلى أداة استثمار سياسية حزبية ضيقة ،بدلأ من ان يبقى الرمز القومي الكردي العام في النهضة القومية المعاصرة. كما لا نتمنى أن تتحول القمية الكردية إلى شعار جامد يوفر مناخا سلبيا للتعامل مع دور القومية الطبيعي في تكريس القيم الوطنية بكل أبعادها الإنسانية.
التدرج يا سادة أولا. والأسلوب الديمقراطي في الحوار وفي السلوك ثانيا.
واحترام حقوق الآخرين-كيفما كانت-ثالثا. ولا نجعل من أنفسنا أوصياء،بل لنكن –كما قال بديع الزمان النورسي- دلالين على بضاعتنا الفكرية ،وعندما نحسن عرضها ،حينئذ سيتقبل الآخرون ما يرونه مفيدا ومنطقيا.
……………………………………………………………..

الكرد وشهر الصيام ibneljezire@maktoob.com
ابن الجزيرة
بعض من الفولكلور الكردي…
ليست مقالة عن واقع الصيام بين الكرد في مختلف المناطق،بل هي عن بعض مناطق الجزيرة السورية، وخاصة ريفها..(وربما هي معظم المناطق الكردية ..).
وليست هي صورة عما يجري اليوم،بل هي صورة عما كان يجري،قبل أكثر من ثلاثة أو أربعة عقود.. ولا تزال موجودة في بعض الأجزاء الريفية..(ربما مع بعض اختلاف فرضته اختلاف الظروف..).
في البدء لا بد من التذكير بأن الكرد شعب مسلم تاريخيا، وقدم في تاريخه خدمات لا يمكن أن تهمل،سواء في الميدان العسكري(صلاح الدين الأيوبي وخلفته..)أو في الميدان العلمي المعرفي عموما(ابن خلكان،أبناء الأثير،أبو خليل الفراهيدي،سلم الخاسر، أبو مسلم الخراساني، قديما.. وحديثا: أحمد شوقي،العائلة التيمورية،المقرئ عبد الباسط محمد عبد الصمد، الكاتب عباس محمود العقاد(وبعضهم يعتبر أن أخواله أكراد ..) وغيرهم الكثير الكثير الذين ساهموا في خدمة الإسلام من كل جانب..وبطون الكتب مليئة بهذه الحقائق..ومنها مثلا :الشرفنامه- خلاصة تاريخ الكرد وكردستان- وخاصة الجزء الثاني منه..الخ.
ونذكر –هنا- بان الكرد دخلوا الإسلام منذ العام/ 18 /هجري عندما اسلم الصحابي جاﭙان(ﮔاﭘان)(1). ومنذ ذلك الوقت والكرد مسلمون على الأغلب دونما ممانعة إلا قليلا، ويبدو أن فطرتهم كانت قريبة إلى ما يدعو إليه الإسلام – ربما للتقارب بين تعاليم الإسلام في أساسياته، وبين الديانة الزردشتية التي ينتسب أغلب الكرد إليها قبل الإسلام.(أغلب الظن إنها ديانة سماوية).
على كل حال، هذا الحديث لا أهمية قيَمِية له.. فالبشر جميعا مخلوقون في هذا الكون ليعيشوا، والكل كائنات لها الحق نفسه في الحياة، وما الاختلاف بين فرد وآخر، أو شعب وآخر هو: بسبب تمايز خلقي(كوني،من الكينونة) فالناس جميعا من آدم وآدم من تراب(2)، أو لنقل: الجميع من أصل واحد- بغض النظر عن الاختلاف حول طبيعة الأصل،دينيا أو من يزعمون علما كـ”دارون” مثلا.-
ما الذي حصل..؟
الذي حصل هو، الانزلاق إلى ما هو ليس أصلا ، والانشغال بما هو فرع..! (الانزلاق من القيم الدينية الإسلامية الكونية(الأممية) إلى القيم القومية(المحدودة) وخاصة “القومية العربية”).
يبدو أن النزعة النفسية عند الإنسان غلابة..هكذا تقول الآية القرآنية الكريمة: “النفس أمارة بالسوء”، ولعل هذه الخاصة في الإنسان (ويبدو أنها طبيعية فطرية)هي التي دعت الباحث الأمريكي”دايل كارنيجي” إلى القول:” الإنسان عاطفة أولا ثم عقل ثانيا”. ولذا فهو يدعو في كتبه، وخاصة كتابيه(“دع القلق وابدأ الحياة” و “كيف تكسب الأصدقاء”) إلى التعامل مع الناس على أساس هذه الحقيقة “الناس عاطفة أولا وعقل ثانيا”.
ولعل هذه الفكرة أكثر قابلية للتعامل الواقعي مع الناس من سواها، ولكن القضية هي في فكرة: هل نستسلم لهذه الرؤية في القضايا الأساسية ، والتي تتطلب تدقيقا وتحديدا دقيقين..؟ ومن ثم تترتب عليها نتائج خطيرة وهامة في حياة المجتمعات، والأفراد..؟
دعونا نرجع إلى الموضوع الأصلي وهو شهر الصيام لدى الكرد..
فالكرد كشعب مسلم، لا يكاد يطل الشهر الفضيل حتى يبادر أبناؤه إلى الاستعدادات ، كما هي العادة: يتسوقون،يشترون أنواع الأطعمة التي توافق الصيام(للتسحر خاصة) يتهيؤون لقيام الليل وقراءة القرآن،
يرافق ذلك فولكلور جميل في الأرياف(المسحراتي الذي كان يقرع الطبل قديما”في جزيرة بوتان أو بوطان” جزيرة ابن عمرو” التي كانت تمثل عاصمة منطقة معروفة باسم “بوطان” في كردستان تركيا الآن” ثم تغير ذلك إلى الضرب على الصفيحة(التنكة) بعد إشاعة فكرة أن الطبل غير شرعي.. وخلال الدوران في شوارع القرية، يرفعون أصواتهم منشدين المدائح النبوية.. وهم يضربون التنكة بعصا وفق نغمة المسحراتي المعروفة على صعيد العالم الإسلامي ..! (غالبا ما يتعاون أكثر من واحد.. خاصة في القرى التي يوجد فيها طلبة العلم الشرعي، ويسمى طالب العلوم الشرعية في الكتاتيب باللغة الكردية، “فقه” وأغلب الظن هي من كلمة فقيه العربية).المهم.. كانوا ينشدون:
– طلع البدر علينا من ثنيات الوداع..وجب الشكر علينا ما دعا لله داع
– صلِّ رب على الأكرم هادي..أحمد المصطفى خير العباد..
– سلام.. سلام.. سلام…على بئر الزمزم نصبنا الخيام..
وبعضا من المدائح باللغة الكردية أو قصائد من الملا الجزري، أو من احمدي خاني، أو السيد علي فندكي..فقي تيران..علي ترموكي.. وغيرهم..(3)
فمن ديوان الملا الجزيري مثلا نأخذ الآتي:(علما بأن ترجمة الأبيات من الملا أحمد الزفنكي- مترجم الديوان كله-).
كما نشير إلى أن الكرد في كردستان تركيا وسوريا وبعض الأجزاء الأخرى اعتمدوا الحروف اللاتينية في الكتابة، وحتى هذه الآثار المكتوبة بالأحرف العربية،أعيدت كتابتها بالأحرف اللاتينية- ربما لسببين أساسيين:
– الأول.. والأهم،القدرة الأفضل للأحرف اللاتينية للوفاء بأصوات اللغة الكردية، إضافة إلى أن أحرفا في اللغة الكردية لا يوجد ما يقابلها في اللغة العربية(ﮔ -ﮊ -ﭪ -ﭗ – ﭺ..) وأصوات فيها بعض ميل وغير ذلك..
– الثاني:نوع من رد الفعل تجاه السلوك القومي العروبي الذي حاول طمس كل ما يمت إلى الكرد من خصوصية قومية، وتميز لغة ..بل وأسلوبهم في انتحال كل الثقافة الكردية بحجة أنها كتبت باللغة العربية، ودون الإشارة إلى الدافع الديني الإسلامي في ذلك، بل عزوا ذلك إلى ضعف الأداء في اللغة الكردية وعجزها عن تكوين ثقافة مميزة ذات مستوى قيِّم..وطبعا ليس ذلك بصحيح وإنما هو نوع من الشوفينية التي تميز بها هؤلاء. والدليل أن القلة الموجودة من الأدب الكردي وثقافته بسبب حظرها، أو بسبب من بعض اندماج لها مع اتجاه الإسلام ألأممي..فإنها تثبت ذاتها بسهولة – ربما– غير متوقعة.. ممن لم يحترموا حقوق الآخرين فيما أوجدهم الله عليه.. ومنه اللغة الخاصة.
– لنقرأ ما صاغه الشاعر المشهور ملا أحمد الجزيري المار ذكره:
من دِبَر قال و بلى باطن ﭭـه ويرا بو أﭭين…………..هيـﮋ لِسرْ عهدا ألََسْتِمْ تا بِروﮋا آخَرين
ويمكن كتابته بالأحرف اللاتينية كما يلي:
Min di ber qal û bela batin vewêra bû evîn……. hêj li ser ehda elestim ta bi roja axerîn
ترجمته:((إنني من قبل اليوم الذي قال الله تعالى فيه للأرواح: ألست بربكم..؟ فقالوا: بلى.. كانت المحبة معي.. والمودة متمركزة في باطني.. كما إنني مذ ذاك إلى الآن ..مقيم على ذلك العهد والميثاق الذي أخذ في الأزل وسأبقى عليه إلى اليوم الآخر، يوم القيامة)).
ﮋِ أزل حق(بِملي) دايه ﮊعشقي قدحكْ………..تا أبد مست و خرابين ﮋِمَيا وي قدحي
Ji ezel heq (bi melê) daye ji işqê qedehek……ta ebed mest û xerabin ji meya wê qedehê
ترجمته:(( إن الحق تعالى قد أعطى الملا وسقاه منذ الأزل البعيد قدحا مترعا من خمرة المحبة الحقيقية.. فهو منذ ذلك اليوم الأزلي وإلى الأبد، مخمور.. سكران.. لا يفيق.. و مهدوم القوى، لا يصحو.. ومسلوب الشعور، لا يعي من خمرة ذلك القدح الأزلي.. وتلك الكأس الباقية إلى الأبد. وقال الحافظ الشيرازي رحمه الله في نظير هذا المعنى:(باللغة الفارسية)
سَر زِمستي بَر نـﮔـيرِد تا بِصبْحِِ روزِِ حشْرْ…………هر ْكِه ﭽونْ مِن دَر أزلْ جُرْعه خورْد أز جامِِ دوست)).
وكان هؤلاء المسحراتيين(الفقه) والمنشدين، يقفون عند الأبواب.. ينادون أصحابها للتأكد من صحوهم. فقد كان الناس مرهقين مستغرقين في نوم عميق وثقيل..إنهم فلاحون يعملون في الزراعة بآلات قديمة (المحراث القديم، أو الحصاد بالمجل، أو رعي الماشية والأغنام..الخ). ويُخشى أن لا يستيقظوا.. ومن ثم يحرموا التسحر.. وفي ذلك مشقة لهم للصيام في اليوم التالي.. حيث ينتظرهم عمل شاق). ثم يتوضؤون ويقرؤون القرآن إلى مطلع الفجر.. ليصلوا – في الجامع أو في البيت- ثم تأخذهم غفوة قبل أن يقوموا إلى العمل الذي يبدأ باكرا عادة – ربما قبل مطلع الشمس-.
أما الأطفال.. فقد كانوا ينازعون أهلهم في الإصرار على الصيام، وهم لا يزالون صغارا يصعب عليهم ذلك-خاصة في أوقات الصيف الحارة- فمثلا أذكر أنني صمت أول مرة، وكان عمري لم يتجاوز الخامسة- ربما- من العمر.. وكان الوقت حارا.. والصوم صعبا.. فتحاول جدتي أن تحول بيني وبين الصيام.. خوفا علي.. ولكن المرحوم الوالد- وهو إمام جامع، ويسمى ملاّ في اللغة الكردية- يطلب إليهم أن يتركوني لما أريد.. وقد صمت لأول مرة-كما أذكر- 5 أيام.. ثم 11 يوما في العام التالي.. ثم تدرجت حتى بلغت صوم الشهر كله بعد سنتين على الأكثر.0في السابعة أو الثامنة). وكان هذا حال أغلب أطفال الكرد ..فالمناخ الديني كان غالبا وكان فيه جاذبية وشوق..
وكنا نقرا القرآن حتى يؤذن المؤذن لصلاة الفجر، فنصلي وننام.. كنت قد ختمت القرآن قبل دخول المدرسة.. وكذلك أغلب الذين أتيحت لهم فرصة تعلم القرآن.. كان الكرد صارمين في ما يتعلق بالدين، وكانوا يتقبلون التعب لقاء أن يدرس أطفالهم في الكتاتيب. وكانت أطباق الطعام- وهي أطعمة بسيطة ذات طابع فولكلوري أيضا(4)- تنتقل من جار إلى جار.. أو إلى المحتاجين.. ، أو إلى طلاب العلم في الكتاتيب(الفقه) والذين كانوا يسكنون غرفا ملاصقة للجوامع،بنيت خصيصا لهذا الغرض( لتلقي العلم) وكان هؤلاء يتمتعون بتقدير كبير عند الكرد المسلمين. وقد يقوم بعض الموسرين بالدعوة إلى الفطور لبعض أهله وجيرانه وفقراء.. ودوما الملا، وبعض أو جميع الـ(فقه).
أما الشيخ الصوفي فقد كان له موقعه المتميز- والمبالغ في تقديره- وله خصوصية في التقدير إلى درجة متجاوزة -في الأغلب- لما ينبغي، ربما لجهل الناس، وربما لأن بعض هؤلاء المشايخ كانوا يستثمرون ثقة الناس بهم بشكل أو آخر..ولذا فقد كان مريدوه يزدادون دوما ..إلا أن انتشار التعليم وأدوات الوعي المختلفة وجه نحو نوع من التوازن والاعتدال في فهم الدين، وأحيانا إلى ردود فعل مبالغ فيها تجاه الدين..كنتيجة للشعور بالغبن من الذين تقدموا شؤونه، أو من مبالغة الاتجاه القومي العروبي في تطويع الدين لمقتضيات فلسفتهم القومية..
و كانت صلوات التراويح تتم وفق مراسيم أشبه بفولكلور..عبر ما كان يتبع في أدائها.. تلاوة القرآن بصوت عال..ومقاطع من الصلوات والتسبيح ومنها:خلال النصف الأول من الشهر في الجلسة الأخيرة من التراويح ترحيبا برمضان :
مرحبا.. مرحبا.. مرحبا.. يا شهر رمضان المبارك.. مرحبا
مرحبا.. مرحبا.. مرحبا.. يا شهر التوبة والغفران.. مرحبا
مرحبا.. مرحبا.. مرحبا… يا شهر تلاوة القرآن.. مرحبا
أما في النصف الثاني من الشهر فيصبح الترحيب وداعا بنغمة صوتية مشتركة :
الوداع.. الوداع.. الوداع.. يا شهر رمضان المبارك.. الوداع
الوداع.. الوداع.. الوداع.. يا شهر التوبة والغفران الوداع
الوداع.. الوداع.. الوداع.. يا شهر تلاوة القرآن.. الوداع
ثم تحيى ليلة القدر حتى الصباح،ويأخذ إحياؤها شكلا فولكلوريا أيضا..
يأتي بعض المتبرعين الموسرين بأطعمة وفواكه وحلويات..إلى المسجد ليأكله الذين يحيون الليلة..ويتخلل الليلة، كلمات من خطباء.. أو وعاظ.. في فضل الليلة وآدابها..ولا يخلو الأمر أحيانا من بعض خلل مصدره العدد الكبير من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم ما بين السادسة، وعمر المراهقة،غالبا..!
كما يُصلى في الليلة الأخيرة ما يسمى بالصلاة الطويلة..الخ.
وفي صباح العيد تجري الأمور كما في كل بيئة إسلامية.. صلاة.. وخطبة .. وتحيات العيد.. ومعايدة الأهل والأقارب والجيران.. ومعايدة المرضى.. وزيارة القبور ..الخ
وكانت النساء يشاركن في ذلك كله لدى بيت الشيخ أو الإمام(الملا) أو حتى في بيت متعلم قليل العلم إذا لم يتوفر علماء..المهم يصلين التراويح، ومختلف العبادات على قدر الطاقة، ووفق المتاح من الظروف..!
هكذا كان الكرد يعيشون شهر رمضان المبارك.. ولا يزالون.. وهكذا كانوا يودعونه مفعما بالعبادات والخيرات وسماحة النفس.. ولا يزالون.. وعلى الرغم مما قد يكون أثر على نفوس الجيل الحاضر من ظروف مختلفة.. إلا أن الاهتمام برمضان – ومختلف شعائر الإسلام-لا يزال في الأوج. ولكن ..! هل يقبل العروبيون- الذين صادروا الإسلام في كثير من مفاهيمه- من الكرد إسلامهم؟!

……………………………………………………………………………………………………..

الكرد والعيد
استيقظت قبل السادسة صباحا لأتهيأ لصلاة العيد –على الرغم من الميل إلى النوم- وعلى الرغم من نعاس يكاد يغالبني، فموعد الصلاة قد تحدد بالساعة السادسة والنصف صباحا، وفيما كنت أتوضأ تناهى إلى سمعي أصوات ذات طابع فردي :(الله أكبر..الله أكير..ألله أكبر..لا إله إلا الله..ألله اكبر..الله اكبر ولله الحمد)
هذا التكبير والتهليل اللذان تعودنا على سماعهما كل صباح عيد(فطر أو أضحى) فاستعجلت ليكون لي نصيب في المشاركة فيهما ..
وصلت إلى الجامع..كان عدد الحاضرين بين العشرين والخمسة والعشرين،ما كدت أنتهي من صلاة تحية المسجد حتى كا المسجد أن يمتلئ..نظرت فيما حولي (رجال كبار في العمر..أو كهول ولكن العدد الكير كان للشباب وللأطفال، وكان بين الشباب من له شعر طويل أو تسريحة عصرية (مود يرن) أو غير ذلك وكان لباسهم موديلات حديثة لا يتوافق مع ما يوجه إليه الإسلام في أدبياته،كانت ضيقة، كانت ذات طرز ونقوش فيها بعض غرابة ولكن ذلك كله لم يمنعهم أن يأتوا لصلاة الجمعة، يرددون التهليلات والتكبيرات سواء قبل الصلاة أو أثناء الصلاة ففي الركعة الأولى سبع تكبيرات وفي الثانية خمس تكبيرات(سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر)
بعد الانتهاء من الصلاة خطب فينا الخطيب منبها إلى أن العيد جوهر وليس منظر، ونبه إلى مشاركة الفقير فرحته، وإلى تناسي الأحقاد والزعل (و خيرهما من بدا بالسلام)
ثم تبادلنا التهاني ابتداء بالخطيب(الإمام) وتمت حلقة كاملة بجوار حيطان المسجد من الناس فكل من حيا وهنأ يقف إلى جانب آخر المهنئين ينتظر المهنئين عليه وعلى غير ه في الطابور.
ثم خرج الناس إلى زيارة الحياء والموات في المقابر يقرؤون بعض سور القرآن الكريم ويدعون للأحياء والموات(اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات في دار الدنيا ودار الآخرة برحمتك يا ارحم الراحمين(كل ذلك باللغة العربية) ولا يعجزهم أن يدعون باللغة الكردية ولكن تقربا لله والرسول يحبذون دعاء بلغة رددها الرسول.
…………………………………………………..
كرد و عرب
اسم لمقهى في أربيل(كردستان العراق)
ابن الجزيرة
كنت أتابع إحدى الفضائيات.. وإذ بريبورتاج عن مقهى في (أربيل) يحمل هذا الاسم الملفت للنظر، وعلى الرغم من انه طبيعي أن يكون هناك اسم كهذا، ليس فقط في أربيل، بل في كل المدن العربية والكردية. إلا أن سماعي للاسم كان مفاجئا لي، وذكرني ذلك بأغنية في السبعينات كنا نسمعها أحيانا من إذاعة العراق، وأحيانا من إذاعة صوت كردستان العراق، ومما أتذكره منها لازمة كانت تتكرر وهي تقول:
“هربـﮊي..هر بـﮊي..هر بـﮊي كرد و عرب رمز النضال”. أي يعيش الكرد والعرب رمزاً النضال.
وكانت الأغنية باللغة العربية في الغالب. ولكن تضمينها هذه اللازمة كان يبعث في نفسي شعورا غامرا بالفرح..! كنت أشعر- حينها- بشيء من تحقيق الشراكة بين الكرد والعرب، وكان هذا الشعور – حينها –جامحا، فقد كنت أحب العرب في سياق كوني مسلما، وكنت أشعر بأن العرب شعب متميز، حمل رسالة الإسلام، وأن الرسول عربي. وهذا يفرض علي حبا للعرب بسببه. وأن لغة القرآن عربية، مما يعطي سببا إضافيا لحب العرب..!! بل وكان علماء منطقتي(الكرد) والمتدينون عموما، يذكون في النفوس شيئا من هذا الشعور..! ولم أكن انتبه – حينها- إلى أن “الإسلام دين كوني” وان “الرسول مبعوث للعالمين” وأن لغة القرآن العربية خُدمت من أناس غير عرب(كرد وفرس وربما روم وترك وغيرهم) لأنهم يرون في هذه اللغة ما يحفظ صحة قراءة وفهم القرآن، ومن ثم صحة فهم تعاليم الإسلام،يتقربون بذلك إلى الله عز وجل. ولم أكن – حينها- أميز بين كونية الإسلام، ودور العرب في خدمته، كنت أمزج بين الاثنين معا، وعندما كبرت بدأت أميز بين الأمور قليلا، ولكني كنت أجد عنتا – أحيانا- مع من يحيطون بي عندما أحاول تمييزا…!
كم سمعت البعض يتمنون أن لو كانوا عربا،ما دام الرسول عربي، ومادام القرآن بلغة عربية، بل ومادام العرب هم الذين كانوا أول الداخلين إلى الإسلام بحكم هذا الواقع…!
فما الذي حدث؟ ما الذي تغير؟
ببساطة..
حاول تيار يمكن تسميته بـ(التيار العروبي) ضمن العرب، أن يوجدوا معادلة جديدة، بدوافع نفسية ترتد إلى بقايا مؤثرات القبلية في التكوين الذهني والنفسي فيهم. وبدعم من قوى لا تحب الإسلام، من بينهم أو من خارجهم- هذه المعادلة هي أن العرب كانوا خير امة، وان الإسلام هو مكافأة لهم من الله(امتياز لهم) فلغتهم متميزة نزل بها القرآن، وأرضهم طيبة اختارها الله من بين الأراضي، وشعبهم متميز اختارهم الله للرسالة الإسلامية..باختصار-بحسب أطروحتهم في هذا الشأن-: (أعز الله الإسلام بالعرب)..! ولعل المتبنين الأشهر لهذه الأطروحة هم الأبعد-واقعيا –عن الإسلام القوميون المتبنون للنظرية الماركسية كالبعث وأستاذهم ميشيل عفلق..!
شعار مختلف ومخالف تماما لقول الخليفة الثاني عمر بن الخطاب:((أعز الله العرب بالإسلام)).
وكنتيجة طبيعية لهذه المقدمات فكل آية تمجد الإسلام، هي في الواقع تمجد العرب((كنتم خير امة أخرجت للناس)). ومن ثم فهم شعب لا يتساوى مع باقي الشعوب(عرب وموالي) ويفتخرون بان الناس من غير العرب هم من موالي العرب(والموالي هم ذو درجة أدنى في سلم تقييم القيمة البشرية..) فلا يجوز التزاوج بين العرب وبين الموالي،ولا يجوز التطلع إلى التكافؤ مع العرب،وكان ابتكار مفهوم الشعوبية الذي استو لد منها مفهوم جديد هو:كل من لم يرضخ لما يقرره العرب فهو إما خائن أو متمرد أو..الخ.
فكان مصير غريب لكل من لم يقبل الذوبان في العروبة، تهمة مزدوجة هي عدم الإيمان(الفرس مجوس حتى هذا اليوم، والكرد كفار..الترك مستعمرون..) وهي عداوة العروبة(حسدا وحنينا إلى الماضي ،فترة ما قبل الإسلام…)
وظهرت مفاهيم غريبة وعجيبة..كلها تصب في اتجاه كهذا..
المشكلة أن هذه الأفكار التي لا سند لها في الإسلام، ولا في المنطق، ولا في الواقع قد أنتج تشويها في هذه الذهنية العروبية، وفي سيكولوجيتها..انعكست ارتباكا في فهم الواقع.. و ما هو طبيعي في كينونة الإنسان وصيرورته أيضا. فكان نوع من سوء التكيف مع الواقع، خاصة مع الأقليات التي تعيش معهم بتأثيرات استعمارية،اتفاقية (سايكس بيكو) مثلا، وعدم استيعاب لما حصل من تطورات في الفهم والتصور..!
إنهم يستعينون بصور من الماضي أنتجتها تمنياتهم، وتخيلاتهم، فيصوغون الأفلام والمسلسلات يبثونها هذه التمنيات أو التخيلات كنوع من إعادة صياغة الماضي، وما يشعرون من أمجادها، وإسقاطها على الحاضر، بظن أن ذلك سيعيد إليهم روحا ناهضة – كما كان في صدر الإسلام- متجاهلين حقيقة أن صدر الإسلام بدأ بهم ولكنه انتشر، واستمر، وتطور بفضل الشعوب الداخلة في الإسلام –إضافة إليهم،عندما كانوا يعملون بروح إسلامية، لا روح قومية-. وما أن دخلوا لعبة القومية، بهذا الأسلوب المخالف لمقتضى طبيعة تكوين ومكانة القومية في دين كوني، كالإسلام، حتى بدأ نفوذهم ينحسر شيئا فشيئا(حتى الآن يمجد القوميون مرحلة الأمويين، مع أن مرحلة الحكم العباسي كان أكثر شهرة وتطورا واستقامة إدارية بمعنى ما). لذا فإن مقهى “كرد وعرب” في هذه المرحلة قد يكون منتدى يعالج فيه كثيرا من هذه القضايا، وربما تصحيحا لكثير من المفاهيم المعششة في الذهنية العروبية وسيكولوجيتها، ويستفيد الكرد أيضا من هذا الاحتكاك ما ينفعهم وينفع الجميع(باب لمسير ديمقراطي لعله سينتج روحا ديمقراطية،الجميع بحاجة إليها)
وكم كنت أشتهي أن أجد مثل هذا الاتجاه في كل موقع في البلاد العربية وغير العربية (من بلاد المسلمين) ليتعايش الجميع بروح عصرية (يتساوى ويتكافأ الإنسان فيه) وليس هذا غريبا عن الإسلام الذي يقول :في الحديث الشريف: “الناس سواسية كأسنان المشط” وفي القرآن الكريم:” إنا خلقناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا،إن أكرمكم عند الله أتقاكم”
فمعيار المفاضلة هو التقى، لا الانتماء القومي، أو الانتماء المذهبي، أو أي انتماء آخر” كلكم لآدم وآدم من تراب” حديث شريف.
ونحن نحاور، ولا نقصد الإساءة، بل نحاول تحليلا للعوامل التي أنتجت انحرافا في مسيرة الإسلام وكان للتيار العروبي دوره السلبي فيه. وهذا لا يعني أن الخطأ ملتصق بهم رغم طول المدة به، فلا يوجد خطأ لا يمكن إصلاحه، الرجوع عن الخطأ هو إصلاح له- كما يقول المهاتما غاندي-.
الإنسان مخلوق مكرم، والخطأ ينال سلوكه عبر الحياة التي يعيشها، فمتى صحح سلوكه فقد اغتسل من آثار الخطأ والخطيئات أيضا..!
………………………….
ibneljezire@maktoob.com

…………………………………..
موائد الإفطار الجماعية
هل هي تلبية لدعوة دينية أم هي مظهر لممارسة سياسية..؟
ابن الجزيرة(م.قاسم)
كثرت في الآونة الأخيرة موائد الإفطار الجماعية في معظم البلدان الإسلامية وخاصة العربية منها(بل ولعلها هي البادئة وهي المكثرة منها أيضا). ونحن نعلم أن هذه الظاهرة هي إسلامية في أصلها- وإن كانت بطرق مختلفة أو ابسط –
ما المشكلة إذاً..؟
أتذكّر أن بعض الدول العربية اتبعت هذا الأسلوب، وخصت به علماء الدين وحدهم، وكان واضحا الهدف السياسي من هذه الخطوة، في دولة تحكم بالحديد والنار- كما يقال- وفيما بعد توسعت هذه الخطوة في الدولة ذاتها حتى شملت بعض المحتاجين أيضا، وبصيغة أخرى، أحسنت إعلامها توظيفها إعلاميا لاستثمارها سياسيا، وهكذا- وهذا أسلوب معروف ومبالغ فيه عند الأنظمة العربية ..
فالإفطار أصبح مادة سياسية لاستقطاب عواطف أو ضمائر بعض المتنفذين في الشارع الإسلامي لاستثمار الأمر سياسيا.. ومن المؤسف أن هذه هي الطريقة التي يتبعها الحكام في البلاد العربية والإسلامية- عموما – مع شعوبهم(طريقة تضليل شعوبهم في كل قضايا الحياة للحفاظ على كراسي الحكم ..).
فكأن موائد الإفطار التي تجهز من أموال الدولة هي من حر أموالهم- إذا وجد هذا المال الحر فعلا- وكأن على هؤلاء الذين يفطرون على هذه الموائد أن يظلوا موالين لهؤلاء الحكام ثمنا لطعام هو من حقهم أصلا، ومن مسؤولية هؤلاء الحكام في الأساس(سواء من منظور ديني إسلامي أو من منظور الدولة العصرية التي ترى إن الدولة ملتزمة بتوفير احتياجات مواطنيها، فضلا عما يرد في حملاتها الانتخابية كبرامج.. بهدف انتخابي).
كان عمر ابن الخطاب يظهر الإشفاق على نفسه من عذاب الآخرة، وهو الخليفة المعروف بعدالته، وباستماتته في خدمة مواطنيه، وقصصه في هذا الميدان معروفة..فقيل له: لم هذا الإشفاق لخليفة من بين العشرة المبشرين بالجنة..؟! فقال متألما: لو أن راحلة في جبال العراق وقعت فإنني مسؤؤول عنها..قيل وما ذنبك ؟ قال: لأني لم امهد الطريق، وأنا المسؤؤل عن شؤون المسلمين(المواطنين).(1)
المهم.. أن تأمين الطعام للمواطنين ليس منة وتفضلا وإنما هو بعض من حق المواطن بشكل أو بآخر..بل وإن للمواطن حقوقا أكبر لا يمكن لموائد الإفطار أن تمحوها..!
نحن لا نرى باسا من حركة لطيفة يقوم بها المسؤولون في الدولة – أية دولة- للتودد إلى أبناء وطنها..ولكن الذي نراه بأسا أن يحولوا حقوقه المعطاة لهم -لكسب ما- وسيلة فيها بعض ابتذال – لا يمكن التغطية عليها،ضمن ظروف العولمة الإعلامية والثقافية إذا جاز التعبير-
الذي نراه بأسا هو أن يتعامل المسؤولون مع مواطنيهم وكأنهم لا يزالون ينتمون إلى عهد الملوك (والخلفاء الملوك) والسلاطين والامبراطوريات ..والتي لم تعد ثقافتها تناسب ثقافة العصر، ولا أسلوب العلاقة فيها،تناسب العلاقة بين المواطن وبين الحكام في هذا العصر المختلف من كل الوجوه..
فالوعي البشري بلغ مدى لم يعد يسمح فيه بصيغة الحر والعبد في علاقة وطنية، ينبغي أن يكون الناس فيه جميعا أحرارا ومتساوون في الحقوق والواجبات(متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا..؟!)(2)
..لا يتمايزون.. إلا بما يفضلون بعضهم بعضا في الإتقان في الأداء، وفي الاستعداد للتضحية من اجل المواطنين في الوطن، وفي القدرة العلمية المسخرة للمواطنين ضمن الوطن..وفي التقوى..!
التقوى ..هذه الكلمة التي باتت ضرورية أكثر من أي وقت مضى..فقد كاد غياب القيم الأخلاقية الايجابية أن يصبح عاما ..وهنا مكمن الخطورة.. الخطورة في أن يتحول كل إنسان – خاصة في موقع المسؤولية- إلى تاجر جشع يسعى بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة.. لاستثمار موقعه، وملكاته، من أجل جمع المال، ومن اجل قطع الطريق على أصحاب الحقوق، ومن اجل رفاهية من مال حرام، وبأسلوب فيه مغالاة ومباهاة جاهلية، ويتبعون كل الوسائل السلبية حتى – قتل النفس التي حرمها الله إلا بالحق – وينشرون ثقافة الأنانية، والظلم ..بل وتزييف الثقافة في مختلف أشكالها، وتجلياتها،بحيث يصبح الكذب هو القيمة الأساس فيها، واعتبار حسن ذلك دهاء، وشطارة.. تحت مسميات مختلفة ،لعل أخطرها مسمى السياسة والوطنية وغير ذلك..
موائد الإفطار وكل الحالات المشابهة، ينبغي أن تتحول إلى مؤتمرات على مستويات مختلفة (نخبوية،شعبية..) لتدارس شؤون المجتمع والمواطنين، والوطن الذي يحويهم بخيراته ومشكلاته..وأفضل الأساليب لإدارتها، وخير القادرين على هذه الإدارة..بحسن اختيارهم، وحسن تصرفهم..
بتقديري:
لو لم يضع غاندي اللمسات الحيوية على بنيان الهند السياسي والإداري لما أصبحت الهند تعرف بـ(أكبر ديمقراطية في العالم).(3)
ولو لم يضع جورج واشنطن وأبراهام لنكولن وغيرهما(4)، اللمسات الحيوية على بنيان الولايات المتحدة الأمريكية، السياسي والإداري لما أصبحت أمريكا أكبر قوة في العالم فضلا عن النظام الديمقراطي الذي يستمتع به أبناءها من جميع إثنيات العالم.
ومن المؤسف أن نظل نردد بأسلوب آلي أن الحضارة الإسلامية وإن التراث الإسلامي وإن التعاليم الإسلامية وإن..وإن..الخ ولكننا ابعد الناس عن هذه الحضارة وعن هذا التراث وعن هذه التعاليم…!
وكم كان الشيخ سعيد النورسي مستشرفا للمستقبل عندما قال: جوابا عن سؤال وجهه إليه الشيخ بخيت مفتي الديار المصرية في إحدى زياراته إلى استانبول:
((إن أوروبا اليوم حاملة بالإسلام وستلده يوما ما، والدولة العثمانية حاملة بالنهج الأوروبي وستلده يوما ما))(5)
……………………………….
ملاحظة:
هذه المادة وغيرها ، المنقولة الى الموقع تحتاج الى اعادة نظر للعلم.

AllEscort